البركة الأنثوية: سلطة جندرية وحضور نسائي في الفضاءات الروحية المغربية
في المغرب، تتنفس الروحانيات تحت جلد الحياة اليومية. تنبعث من إيقاع حلقات الحضرة، ومن غبار مسالك الزوايا والمواسم، ومن ذلك الإيمان الهادئ الذي يضعه الناس في الأحلام والبركات والقوى غير المرئية. إنها منظومة تعيش إلى جانب المعتقدات الأرثوذكسية؛ تُحتضَن أحيانًا، وتُدان أحيانًا أخرى، لكنها تظل حاضرة دائمًا. فالطرق الصوفية، وسلالات الأولياء، وطقوس الشفاء تُشكّل البنية…
ومع ذلك، وفي قلب هذه العوالم الروحية حيث تتدفق البركة ويُجلّ النفوذ الروحي، تمشي النساء على درب أكثر هشاشة. فحضورهن مقبول فقط حين يكون صامتًا، خافتًا، مُروّضًا وداخليًا. فالرجل الذي يخوض في العوالم الغيبية يُنظر إليه كفقيه أو شريف من أهل النسب المبارك، وفي الحالتين هو وعاء للمعرفة الإلهية والنعمة. أما المرأة التي تمارس الدور ذاته رغم إقصائها تاريخيًا من النسب الروحي والشرَف فتُصنَّف بسهولة كمسكونة أو خطيرة أخلاقيًا؛ امرأة “سقطت من البركة”. تُشبَّه معرفتها بالريبة، ويُراقَب جسدها بدقة، وتُنتزع عنها سلطة لا تُمنح لها أصلًا.
ومع ذلك، تُصرّ النساء. يُصررن في الأضرحة، وفي الأسواق الأسبوعية، وفي المواسم، وفي الغرف الخلفية المعتمة والأركان المؤقتة… في تلك المساحات الهامشية التي يلجأ إليها الناس طلبًا للشفاء أو السكينة أو نافذة على الماورائي. تُواصل النساء حضورهن لأن ما يقمن به يسدّ فراغات روحية وعاطفية لا يملؤها أحد غيرهن، ولأن تاريخ المغرب وأساطيره يترك هامشًا لنساء يتفاوضن مع المقدّس، يلتقطن البركة من خارج النسب، ويشقُقن طريقهن نحو ما هو مُنح لغيرهن، نحو ما لم يكن مُقدّرًا لهن… لكنه وجد طريقه إليهن.
بركة خارج منطق الشرف
في كتابه «الشريف والممسوسة» يوضح زكريا رحنَي أن مفهوم البركة يحدد الحالة الروحية للولي، ولا يقتصر على القدرة على صنع الكرامات، بل يشمل أيضًا الانتماء إلى نسب نبوي يُعرف بالشرف. فبينما كانت البركة تُفهم في الأصل باعتبارها خاصية شخصية، كاريزمية، ومعجزة، أصبحت منذ القرن السابع عشر تُعبّر بشكل متزايد عن نفسها عبر السلالة والوراثة. أما الشرف الذي يعني حرفيًا النبل والمكانة فيحيل في السياق المغاربي إلى الانتساب البيولوجي لوليّ يعود نسبه إلى النبي محمد عبر ابنته فاطمة. هذا الامتداد النسبي يمنح الشرفاء موقعًا من القوة الرمزية والسلطة الروحية.
غير أن خللًا طرأ على منطق الشرف من خلال أسطورة لالة عائشة؛ إذ لم يعد الولوج إلى البركة مشروطًا بالانتماء الجيني أو بالشرف الموروث. فالقوة الروحية باتت متاحة لأولئك الذين استُبعدوا أصلًا من النسب المقدس: النساء، والأشخاص ذوو الهويات الجندرية الهامشية، الذين لم يكن لهم وفق المنطق التقليدي أي حق في مثل هذه السلطة أو البركة، يمكنهم الحصول عليها عبر علاقتهم بها. من خلال مشاركتهم في الطقوس، وتفاعلهم المباشر مع روحها في الفضاءات المقدسة، يصبح هؤلاء الفاعلون الهامشيون وسطاء ومعالجين وحَمَلة لقوة الوليّة.
وبذلك، تخلق لالة عائشة قناة موازية للشرعية الروحية، تعمل خارج النسق الوراثي للشرف، وتمنح الفئات الاجتماعية الموجودة في الهامش قدرةً على النفوذ الروحي كانت حكرًا على أحفاد الذكور أو المريدين المعترف بهم رسميًا (مونة 2018).
مطلوبات من الجميع… ومتروكات من الجميع
في عالم لالة عيشة، التقيتُ بامرأتين شكّلت البركةُ حياتهما كما هدمتها: مي كلثوم، خيّاطة من مكناس تمتلك قدرة على “الرؤية”، وحورية، فنّانة نقش الحناء التي تقرأ مصائر النساء من خطوط كفوفهن قرب ضريح الولي الهادي بن عيسى. لم تتقاطع طرقهما يومًا، لكن حكايتيهما تترددان كصدى واحد لامرأتين تسيران على الحدّ الفاصل بين التبجيل والنبذ، بين البركة التي تمنحانها والعنف الرمزي الذي تتلقيانه، بين القوة… وخطر فقدان السيطرة على حياتهما بالكامل.
في عام 2015، التقيت مي كلثوم؛ خيّاطة، “رائية”، ومريدة مخلصة للاّلة عيشة. وعلى مدى سنوات، وخلال زياراتي نصف الشهرية لدكانها الصغير داخل المدينة القديمة في مكناس، نشأت بيننا علاقة حميمية قائمة على الثقة وطقوس صغيرة لا تتغير: كأس شاي بالنعناع، أزيز ماكينة الخياطة، وصوتها الرقيق ينسج الحكايات بين الغرز.
م يمر وقت طويل حتى كشفت لي عن طبيعة عملها الحقيقية.
كانت امرأة في منتصف العمر، قصيرة القامة، نحيفة، بشرتها سمراء خفيفة، وحضورها لطيف. مظهرها المرح كان يخفي ثقلًا قديمًا لا يُرى، ذاك الثقل الذي ترثه كثير من النساء العاملات في الروحانيات دون اختيار. كانت تملأ المكان بهدوء الواثق، لكنها تتحرّك بحذر من يعرف أنّ هذا المكان يمكن انتزاعه منها في أي لحظة.
وجدت نفسي أعود إليها مرارًا لطلب المشورة، مأخوذة بدقّة تلك الجُمل التي كانت تقولها في اللحظة المناسبة، وكأن أحدًا يهمس لها بالحقائق. كانت تصف نفسها دائمًا بأنها “مْبارْكة”، “قنوعة”، و“غنية بلا مال”. تردد بثقة: “ما عنديش وما خاصنيش”، و**“لي خلقنا يرزقنا”**.
وبحلول العام الرابع من معرفتنا، روت لي أخيرًا القصة الساحرة لكيفية حصولها على بركتها.
بدأت الحكاية بحلم رأته في مراهقتها، مباشرة بعد أول حيضة لها. قالت:
“منين جاني الحيض لأول مرة، تسلّيت ونعست… وشفت بحال الروح ديالي خرجات من جسدي ومشات لواحد العالم غريب. جا عندي ثعبان كبير فدار جدي، وورّاني الطريق لشجرة تين يابسة فوق واحد التلّة… ما كنتش نعرف هاد المكان، ولكن فالصباح تبعت الطريق حتى لقيت نفس الشجرة. وفداك اللحظة طحت، وكانت أول مرة ندخل فحال واحد الغيبوبة أو الجذبة.”
عبّرت مي كلثوم عن يقينها بأنها كانت “مختارة” من طرف لالة عيشة، وأنها مُنحت هبة تستخدمها في السر: لمساعدة الناس، قراءة حظوظهم، وتخفيف آلام يعجز عنها الطب الحديث.
كانت تعيش مع زوجها عمر، تاجر تقليدي في صناعة الأحذية، ومع ابنهما الوحيد. عمر، المنتمي للطريقة العيساوية والساعي للترقي داخل مراتبها الروحية، كان يجد صعوبة كبيرة في تقبّل سلطة زوجته الروحية. كان قلقه واضحًا: خوف من أن ينكشف أمرها، وأن يُقال إن زوجته تستمد قوتها من ولية أنثى. فبالنسبة له، روحانية الرجل علم مقدّس ومقبول اجتماعيًا، لكن روحانية المرأة تُعدّ خطرًا… ووصمة في النسب.
ورغم محاولاته الدائمة للحد من حضورها الروحي، كان يعتمد عليها. كان يأمرها بإجراء طقوس “القبول” لتزدهر تجارته، وللحماية من الحسد والمنافسين، ولـ“فتح الأبواب” التي يعجز عن فتحها.
كانت تبرّر ذلك بابتسامة:
“الراجل عمرّو ما يبغيك تعيشي بلا بيه… بلا ما تفوتيه، حبيبتي.”
ثم تضيف:
“بالنسبة لعمر، بركة المرأة مقبولة غير إلى كانت داخل الدار، وتخدم غير لصالح راجلها وعائلتها.”
ورغم ذلك، كانت تقول وهي مبتسمة بخجل:
“كنبغي راجلي. زمان ما كانوش البنات كيختارو، ولكن الحمد لله كنت محظوظة. قلبي تحلّ ليه بوحدو.”
وتروي بفخر هادئ:
“كنت زوينة بزاف فصغري، وتقدّم ليّ رجال أغنياء، ولكن ما عمرني ارتحت ليهم… هما اللي كانوا كيجيّو فالليل ويقولولي ما نتزوجي حتى بواحد منهم. هما اللي بغاوني نتزوج بعمر.”
ثم جاءت الجائحة. مع إغلاق المدينة القديمة وصمت ماكينة الخياطة، نقلت مي كلثوم عملها الروحاني إلى الهاتف. بدأت تُجري قراءات لزبائنها الأوفياء، لا رغبةً بل اضطرارًا. كانت العائلة تحتاج إلى دخل، وعمر آنذاك دعم الفكرة بالكامل. سرعان ما ازدهر مشروعها، خصوصًا في لحظة جماعية من الخوف والضياع، حين كان الجميع يبحث عن معنى، عن عزاء، وعن خيط صغير يقود إلى ما وراء الفوضى. في تلك الفترة، اكتسب التصوف شعبية غير مسبوقة، وصار صوتها ملجأً لمن فقدوا الطمأنينة. انتشر اسمها واتسعت دائرة طالبيها، وهنا بدأت بوادر سقوطها.
بحلول عام 2022، ومع عودة الناس إلى حياتهم الطبيعية، وجد عمر نفسه مبعدًا من محيطه الروحاني. بدأت الهمسات تدور حول الرجل الذي تمتلك زوجته سلطة “محرّمة”، رجل أصبحت شرعيته الروحية موضع شك. تحول الاستياء داخله إلى غضب، ثم انفجر. تغير شعوره تجاه زوجته وممارساتها بسرعة، وانهار الزواج. قالت لي مي كلثوم:
“محبتنا ما قدّاتش تغلب الإحساس ديالو بالخزي… نسى العِشرة ونسي ولدنا… كيقول عليّ غادي نضيّعو، كيقول عليّ كافرة! سبحان الله…”
بعد معركة قضائية طويلة، حصل عمر على الحضانة الكاملة لابنهما. ثم تبرأت عائلة مي كلثوم منها، قائلة:
“البنت المطلّقة ماشي بنتنا… وبالأحرى وحدة كاتسحر!”
من دون تعليم رسمي، ولا عمل ثابت، ولا بيت، ولا مجتمع، ولا أي دعم من أي نوع، تُركت مي كلثوم وحيدة، بلا شيء سوى أسطورة وواقع المرأة التي تبعتها طوال حياتها: لالة عيشة.
ربما لجأت إليها لأنها تُرى كأمّ، وهو ما كانت مي كلثوم في أمسّ الحاجة إليه. وربما لأنها ترى في قصة عيشة انعكاسًا لقصتها: امرأة سُلب منها بيتها وكرامتها وأمانها في لحظة. أو لعلها ببساطة كانت تبحث عن قوة أعلى… لا تهجرها.
أياً كان السبب، انتهى بها المطاف إلى ضريح لالة عيشة في سيدي علي بن حمادوش، حيث تعيش اليوم شبحًا لذاتها السابقة، تتجوّل بين الزوايا المقدّسة وتنادي ابنها أحيانًا… وتنادي لالة عيشة طلبًا للعون أحيانًا أخرى.
بعض الذين كانوا زبنائها يزورونها هناك، ما زالوا يبحثون عن بركتها. بعضهم يؤمن ; خصوصًا أولئك المشتغلين بالروحانيات في سيدي علي أنها صارت اليوم “أقوى”، لأن وعيها المنهك جعل جسدها “مفتوحًا” بالكامل للغيب.
أنس، رجل ناعم الصفات يعيش هناك منذ سنوات، قال لي بثقة:
“لميمة عرضات عليها العهد، وكانت كترفض… ملي قطعات مع كلشي واستسلمت للجواد، ولاّو هما اللي حاكمين الجسد ديالها، ودابا اللي كيهدَر مع كلثومة كيهدر معاهم.”
لكن حين لا يحصل هؤلاء على ما يريدون منها، يتحوّل الإحباط بسرعة إلى قسوة. يلومونها، يسخرون منها، ويتهمونها بأنها السبب في ما آلت إليه حالتها. المرأة التي كانت يومًا ملجأً لهم أصبحت فرجة، تحذيرًا، وعبرة.
ومهما اختلفت الروايات، يبقى شيء واحد ثابتًا:
مي كلثوم، التي كانت دائمًا معطاءة، عاشت في عالم لم يكن يريد منها سوى الأخذ… روحيًا، وعاطفيًا، وماديًا… حتى لم يبقَ شيء تمنحه.
حورية: حظٌّ يُرسَم على الكف… وعنفٌ يُمارَس في العلن
إذا كانت مي كلثوم تمثّل الانهيار الذي يحدث داخل المساحات الضيّقة للسلطة الروحانية، فإن حورية فنّانة نقش الحناء في زاوية الشيخ الكامل تمثل الوجه الآخر: ما يحدث حين تُمارَس هذه السلطة في الشارع، في وضح النهار، بلا جدران تحمي، وبلا ظلّ يخفّف الضربات.
التقيتُ حورية أول مرة خلال الموسم السنوي في شوارع المدينة القديمة بمكناس، في “الهديم”. كان الزوار يتدفّقون من مختلف أنحاء المغرب حاملين قرابينهم بخورًا، هدايا ثمينة، شموعًا، وأنواعًا مختلفة من الذبائح إلى ضريح الولي الهادي بن عيسى، وإلى الكيانات الروحية التي يُعتقد أنها ترافقه داخل المقام. كان الهواء مثقلاً بدخان البخور، وإيقاع الطبول يقود الأجساد والماشية عبر الأزقة نحو المقام.
وسط الخيام والبائعين والحجاج، جلست حورية على كرسي بلاستيكي صغير قرب مدخل الضريح؛ موقعٌ مركزي، لكنه أيضًا محفوف بالخطر.
حورية امرأة ذات حضور لافت: طويلة، سمراء دافئة البشرة، لها عينان عسليتان مرسومتان بالكحل، ويدان متوشحتان بالأحمر الداكن من سنوات العمل بالحناء. أمامها أوعية صغيرة من مسحوق الحناء، وماء ورد، وبتلات الورد، وأعشاب مرتبة كأدوات طقسية. لكن الفن لم يكن ما يجلب الناس إليها، بل سمعتها.
فحورية لا تكتفي برسم الحناء… بل تقرأ.
بينما تزيّن كفَّ زبونتها، ترسم رموزًا ونقاطًا صغيرة تهديها للالة عيشة، تستدعي بركتها. من خلال النقوش، تقرأ الطالع: حظّ الزواج، سفر قريب، أعداء خفيون، حماية من الأذى. كانت تؤمن أن لالة عيشة منحتها هذه القدرة:
“البركة كتجي من الخطّ”، قالت لي مرة.
“الخطوط هي اللي كيهضرو.”
بعكس مي كلثوم، عمل حورية ليس مخفيًا.
مقامها هو الشارع.
محرابها هو كرسي بلاستيكي.
ولهذا، هي مكشوفة بالكامل لأقسى أنواع العنف… ذاك الذي يشعر الناس بأنه مباح طالما أنه يحدث أمام الجميع.
كل يوم، تواجه حورية ثلاثة أنواع من الاعتداء:
الزوّار -السياح والسكان المحليون، الحجاج، والمنافسون من الرجال.
تقول إن كثيرين ممّن يمرّون قرب المقامات يفعلون ذلك بشعور أخلاقي متعالٍ. يرفضون التصوف، يعتبرونه “شركًا”، لكنهم يقتربون منها فقط للسخرية:
“هادشي شرك.”
“بحال هاد البوليس كايخرّجونا على العيالات.”
“كيضحكو، كيسبوّي، كيعيّرو الزبونات، كيرميو عليّا الحوايج، وكاين اللي كيطفي عليّا بكاميرتو…
باش يديرو البوز.”
خلال إقامتي معها، كنت ألاحظ حجّاجًا يرونها “نجسة”، بشكلٍ تناقضي لافت: الذين يزورون الأولياء كـمؤمنين، يرون قارئات الحظ كـخطر يلوّث قدسية المكان.
كان رجال يرتدون الأبيض يدفعونها بأكتافهم ويمرّون بقسوة، يهمسون بأدعية تحت أنفاسهم:
“أستغفر الله.”
“لا حول ولا قوة إلا بالله.”
عمل حورية يهدّد أيضًا منافسيها من الرجال: قرّاء الطالع، الفقهاء، والمعلمين. هؤلاء يشكّلون حلقة مغلقة حول الضريح، ولا يتسامحون مع حضور النساء. ينشرون الشائعات عنها، يفسدون موادها، يخيفون زبائنها، وأحيانًا يحاصرونها في وضح النهار لإجبارها على الرحيل.
في الأيام الأولى التي جلست فيها معها — قبل أن يعتبروني “من أهلها” — كان هؤلاء الرجال يحاولون استدراجي دومًا:
“تعالي عندنا، حنا قاريين هاد الشي…”
“هي نصّابة… حنا اللي نقدرو نفكو السحر لي داروه ليك.”
كانت حورية ترد بنبرة تحدٍّ يائسة:
“اللي رشّينا بالماء نرشّوه بالدم.”
امرأة وحدها، بلا حماية، بلا محلّ، وبلا سقف تلجأ إليه، ومع ذلك… ترفض الرحيل.
قالت لي مرة، وداخل صوتها شجاعة وشرارة امرأة تدافع عن آخر ما تبقّى لها:
“لميمة عيشة هي اللي دايرة ليا الظهر.”امرأة تعرف أنها تخوض معركة لا يمكن لها أن تربحها…
لكنها أيضًا معركة لا يمكن لها أن تتخلى عنها، لأن رزقها — ووجودها — معقود بها.
امرأتان… وصدى واحد
قد تبدو مي كلثوم وحورية امرأتين لا جامع بينهما، لكن مساريهما يكشفان خيطاً واحداً يربط بينهما، خيطاً خفياً يشبه النقش الذي تتركه اليد على الكف: لا يُرى من بعيد، لكنه يحكم المصير.
مي كلثوم عاشت سقوطها في الداخل؛ في غرف مغلقة، بين جدران اختنقت فيها السلطة الروحية التي امتلكتها يوماً. أما حورية، فعاشت السقوط نفسه في الضوء الساطع للشارع، أمام عيون العابرين، دون حائط تستند إليه أو ظلّ يحجب عنها العنف.
كلتاهما تنتميان إلى عالمٍ تمنَح فيه لالة عيشة البركة بيد، وتترك في اليد الأخرى امتحاناً قاسياً.
امرأتان مارستا قوة لا يُفترض اجتماعياً أن تتجسد في جسد امرأة.
امرأتان قدّمتا خدمة يتهافت الناس عليها سرّاً، ثم يلعنونها جهراً.
امرأتان تحركتا في مساحة رمادية بين الرغبة والرفض، بين الحاجة والتنديد.
العقاب كان واحداً، وإن اختلف شكله:
مي كلثوم جرى تذويبها ببطء حتى اختفت من حياة الجميع، وحورية تُجلد يومياً بالكلام والنظرات والإهانات حتى تكاد هي الأخرى تتلاشى.
في النهاية، تعكس قصتاهما صورة عن النساء اللواتي يحملن البركة، وعن النساء اللواتي يمتلكن سلطة روحية لطالما اخترقت الأعراف الجندرية بالصبر نفسه:
لقد تحدّين الدوائر المغلقة، والسلالات الوراثية الحصرية، والأعراف الاجتماعية، وتوقعات النوع الاجتماعي، ولا يزلن يواجهن كل أشكال القسوة اليومية… ويستمررن.
نعمة إفلح
![]() |
نعمة إفلح، متطوعة في مجال حقوق الإنسان و النسوية والمبادرات التراثية ، وباحثة في الدراسات الثقافية في جامعة ابن طفيل بالقنيطرة، يتركز عملها على قضايا النوع الاجتماعي، والثقافات الصوفية. |
| Ce texte a été réalisé dans le cadre de la session Storytelling pour l’égalité entre femmes et hommes, avec le soutien de l’Institut français du Maroc. À lire aussi sur Enass.ma., et en version originale anglaise ici. | ![]() |









