Édition,
investigation
et débat d'idées

بين صور من يصعد الجبل… وتستر عمن لا يستطيع النزول: ميزان عدالة اجتماعي مختل

في الوقت الذي يشاهد فيه العالم الطفلة ملاك في وضعية إعاقة حركية تصعد أعلى قمم المغرب توبقال. توجد بنات من نفس طينتها في حاجة ماسة إلى نزول الجبل من أجل تلقى التعليم والتكوين والعيش في بيئة سليمة تجعل من الإعاقة حافزا للصعود. الأبدي الثابت في سلم المجتمع المتغير.

هذا المشهد النادر تحققه في مجتمعنا المغربي جعل من نموذج ملاك رفقة قرينتها في أمس الحاجة إلى مجهود مضاعف للتأقلم في الحياة العامة والاندماج في مجتمع قبلي يؤمن بالقوة البدنية والبصرية كخيار للبقاء كما تحكي السيدة نعيمة من أحد دواوير إقليم أزيلال، السيدة ذات 39 سنة من عمرها، تعاني إعاقة بصرية حادة منذ الولادة مما جعل منها فضاء للسخرية بين الأخوة الأشقاء وعرضة للاستعمال القدحي لمجموعة من الألفاظ الجارحة في حقها، في خرق صارخ لمبادئ الدستور الذي ينص صراحة في التصدير على أنه لا يمكن التمييز على أساس الإعاقة.

عنف نفسي وتنمر

كما أضحى جسدها قرينا للنكتة ، فمن بين أغرب ا”لنكت التي تجول في محيطها تعرضها للاغتصاب من طرف ابن عمها والذي أباح جسدها لباقي أطفال القرية في الاستغلال الجنسي العشوائي لعدم قدرتها على التميز بين المغتصبين مما يحول دون معرفة الجاني.ومن وجهة نظر بعض نساء القرية فتروي السيدة فاطمة علي أنه من “طرائف” بعض الأعراس في الدوار صعود نجم نعيمة في الأفق من خلال كسر قواعد اللباس التقليدي حيث حضرت بالملابس الداخلية فوق ملابسها الخارجية مما جعل من نساء جيلها ينادون كل من لم تحترم قواعد الأناقة أنها “نعيمة العورة” التي جلبت العار للعائلة مما أدى الى إقصاءها من جميع طقوس الاحتفال .

استغلال مغلف ب”الرأفة”

تحكي نعيمة وهي طفلة أن محاولتها الأولى في ولوج أقسام الدراسة كانت قاسية بسبب وفاة الأم المبكرة ما جعلها تعيش عنفا مضاعفا داخل منزل زوجة الأب وخارج أسوار المدرسة حيت تروي قصة قرار فصلها من الدراسة دون ولوجها يوما إلى المدرسة بسبب استدراجها من طرف أطفال القرية إلى صهريج كبير داخل ساحة المدرسة لولا حضور أحد الأساتذة الذي قام بإنقاذها من الغرق، لتصبح مع ذالك النهاية الأبدية والحتمية عودة من قبر الموت إلى قبر العائلة لتعيش فصولا من التعذيب النفسي من خلال الحرمان والتمييز والإقصاء من الحياة العائلية.

كبرت نعيمة وكبر معها الألم واسودت عيونها رغم “رأفة” بعض الإخوة الأشقاء المتأخر الذي فتح لها فصلا آخر من فصول التعذيب اللين لتصبح خادمة ومربية الأبناء والأطفال دون مقابل، أطفال تمنت يوما أن تكون معلمتهم أو أما لهم لو تحقق ولوجها للتعليم والحياة العادية كغيرها من بنات القرية. إلا أنها أصبحت خادمة تجلب الحطب وتسقي الماء لزوجات الإخوة، تطعم الدجاج وليس من حقها بيع البيض ولا الاستقلال ببعض الدجاج .

أثار انتباهي مناداتها لإحدى الدجاجات ب “العورة” فسألتها بشكل عكسي: الدجاجة تبصر قمحها وتحس به فلما تناديها ب “العورة الكحلة”، فابتسمت قائلة هذه دجاجة الله أما “الكحلة العورة” فهي زوجة عمي كلثومة كانت قاسية قبل زواج الأب. وأشارت أن لكل دجاجة اسم وصورة لشخص تعرفه وواعية بعلاقته به، ف”الدجاج هو الفضاء الذي أبصر فيه حياتي”، تقول نعيمة.

“ملاك تصعد الجبل… ونعيمة تُمنع من النزول”

تسأل ابنة أخ نعيمة : ملاك تصعد الجبل… ونعيمة تُمنع من النزول: أيّ مجتمع نريد؟

وتجيب بشكل عفوي : قصة “ملاك” مثال يُشرف المغاربة جميعًا، لأنها تُعيد تعريف القوة والإرادة لكنها، في الوقت نفسه، مرآة تُظهر هشاشة الأرض التي نقف عليها كمجتمع. فبين قمّة “توبقال” ودوّار “ترسال” في أزيلال، مسافة ليست جغرافية فقط، بل حضارية وأخلاقية أيضًا كما تؤكد أننا نحتاج أن نتجاوز مرحلة التصفيق لمجرد “النماذج الملهمة”. فالإعاقة ليست مشهدًا بطوليًا في نشرة الأخبار، بل قضية بنية تحتية، وتعليم دامج، وصحة نفسية، وعدالة مجالية. نحتاج أن نصنع بلدًا يسمح لملاك أن تصعد، ولغيرها أن تنزل دون خوف.

فالتحدي الحقيقي على حد تعبيرها ليس في تسلّق الجبال، بل في إزالة الحواجز التي نصنعها نحن: في العقول، في المدارس، في البيوت، وفي القوانين التي لا تُطبَّق إلا في المركز لكونها غير قادرة على صعود الجبل كما فعلت ملاك أمام الكاميرات، لكن في هامش لا تلتفت إليه الشاشات. كانت نعيمة تغرق يوميًا في قاع صهريج من الألم لا ماء فيه، تموت يوميا في مجتمعٌ سائل، غارق في عنفه الرمزي، وخوفه من العار، واستهزائه بكل من لا يرى بثبات.

في الهامش الجبلي، تظل نعيمة مثالًا للـوجع الذي لا يُكتب عنه لأنه لا يُصور.

الفرق إذن ليس في القوة…

بل في الموقع من الخريطة التي تسجل في غالب الأحيان تفاوت بين المجالين القروي والحضري حيت أن نسبة انتشار الإعاقة بجهة بني ملال خنيفرة وفق الإحصاء الأخير لسنة 2024، بلغت في صفوف الإناث 5.20 في المئة في حين ان المعدل الوطني هو 5.8 في المجال القروي الذي تنتمي له نعيمة .

فـ”ملاك” في قمة الواجهة، ونعيمة في سفح النسيان تسائل العدالة وتحاول إعادة صياغة المفاهيم بالقول : إن العدالة ليست أن نرفع من استطاع أن يصعد، بل أن نزيل الصخور التي تمنع الآخرين من النزولوهذا ما أكده المجلس الاقتصادي والاجتماعي بالقول في تقريره سنة 2023.

ياسين بشري

ياسين بشريباحث في الأشكال الثقافية وقضايا الهجرة ؛ حاصل على ماستر في فلسفة الفضاء عند المرنسي وعلاقته بتحرير المراة العربية من خلال دراسة الحريم وعلاقته ب الماكرو والميكرو حريم السياسي. مهتم بقضايا التنمية الترابية والإعاقة

Ce texte a été réalisé dans le cadre de la session Storytelling pour l’égalité entre femmes et hommes, avec le soutien de l’Institut français du Maroc.
À lire aussi sur Enass.ma.

3 février 2026