Édition,
investigation
et débat d'idées

خيوط الذاكرة والمساواة المؤجلة، نساجات تازناخت في مواجهة السوق

«تازناخت، مدشر كبير بني في مكان حزين.. في ٱتجاه الغرب يصبح المنظر أقلّ كآبة». يبدو هذا الكلام الذي يعود للمستكشف الفرنسي، شارل دوفوكو، في مؤلفه التعرف على المغرب 1883-1884، كما لو أنه لايزال معلقا في الطريق، يصف مدخلا يمهد لأسرار مختلفة. أحدها سِرُّ نساء ينسجن من الصوف ويحولهن لحكايات تتوزع بين السعادة والحزن، وبين العناد…

خيوط منهكة على الرصيف

في اليوم الخميس، من كل أسبوع، تبدأ الطرقات المؤدية إلى تازناخت، منذ الصباح الباكر، في الامتلاء البطيء، رجال ونساء من الدواوير المجاورة يأتون إليها للتسوق، ولقضاء أغراض إدارية وحاجيات. وفي وسط المدينة، وعلى الرصيف المقابل للمدار، في زاوية منزوية، تُحكى حكايات نساء نساجات، أكثر هدوءا وأعمق أثرا.

هنا، تبسط كل واحدة منهن زربيتها بالقرب منها. كباقي السلع الأخرى المعروضة في السوق، غير أن كل زربية، ليست كباقي السلع الأخرى، بقدر ما هي سيرة حياة؛ ألوان مختلفة تتجاور مع بعضها، خيوط تتقاطع، ورموز تحمل أثر الأيادي التي نسجتها.

كل زربية تعكس أياما طويلة، وليال مضنية من الصبر والعمل. وزينب إحدى هؤلاء النساء النساجات اللواتي يعرضن زرابيهن، تبلغ من العمر 53 عاما، أم لأربعة أولاد، ثلاث شبان، وشابة، تمسك زربيتها كما لو أنها تمسك جزءا منها من جسدها، وتنتظر نظرة مساومة، أو مشتر يقدر ما بين الخيط والخيط.

وهي تشدّ طرف الزربية بين يديها، تقول في تصريح لها لنا: “أمضيت هنا أكثر من ساعتين في الانتظار، وليست هذه المرّة الأولى التي آتي فيها إلى هنا لعرض ما أصنعه، لكني، وفي كل مرة، أصطدم بالعروض نفسها، وكلها أثمان بخسة، لا تتجاوز 700 و800 درهم. وهي تغطّي كلفة الصوف والخيوط ومواد الصباغة، ولا تترك لي سوى هامشٍ ضئيل من الربح”.

وتوضح زينب أن هذه الزربية استغرقت منها أكثر من أربعين يوما من العمل المتواصل، وأن ما تكسبه منها لا يخصها وحدها، بل تعيل زوجها في مصاريف الأسرة، والمساهمة في توفير الحاجيات الأساسية لأبنائها الخمسة. وقبل أن تُنهي حديثها، تترك الجملة معلّقة بحسرةٍ هادئة؛”الله يهدي ما خلق… الناس لا تقدر تعبنا”.

 

أحلام نساجة مؤجلة

على هذا الرصيف، تباع الزرابي وتباع معها ساعات من التعب والأحلام المؤجلة، ورغبة بسيطة في لقمة عيش تحفظ كرامة النساء لأسرهن.

زينب ليست وحدها، كل امرأة لها حكاية في السوق الأسبوعي بتازناخت، والتي تَعَلَّمْنَ فيه العيش على هامش الطرق. وقصة عائشة لا تختلف كثيرا عن زينب، هي من نواحي تازناخت، وتبلغ 46 عاما، تجلس جلوس القرفصاء بالقرب من زربيتها، وبملامح متعبة، ووجهٍ لفحته الشمس، تشدّ طرف زربيتها بيدٍ خشنة من كثرة العمل.

تقول في تصريحها لنا:” جئت بعد ساعة إلى هنا، ولازلت أنتظر من يشتري هذه الزربية بثمن معقول ومحترم، والتي كلفتني أسابيع من العمل”، وتضيف:” سقف الثمن الذي يعرض علي، لا يتجاوز 1000 درهم، وهو مبلغ، لا يساوي حجم الجهد، ولا عدد الأيام التي قضيتها أمام المنسج”.

توضح عائشة، أن الثمن الذي يعرض عليها، والذي لن يكون لها أمامه خيار آخر، لا تعود لبيتها إلا بنصفه، أي حوالي 500 درهم فقط. وتشير أن اليوم يوم سوق، وعليها اقتطاع جزء من المبلغ لشراء الحاجيات الأساسية والضرورية، إضافة إلى مصاريف التنقل ذهابا وإيابا، وأن عليها شراء الصوف والخيوط مجددا، كي تنسج زربية أخرى.

 

تقسيم العمل الجندري : امرأة تنسج ورجل يساوم
ليست النساء وحدهن من يرتاد هذا الرصيف، الرجال أيضا، لكن حضورهم هنا، لايعكس امتلاكهم للمنتوج، ومحمد أحدهم، رجل ستيني، من جماعة إزناگن، يحمل زربية مَطْوِيّة بعناية، ويقول في تصريحه لنا “أن زوجته رفقة جارتها الصديقة، هي من نسجتها، بينما بقيت هي في البيت، منحنية على منسجٍ آخر، تواصل العمل على زربية جديدة، ودوري أنا هو تسويق عمل زوجتي”.

يأتي محمد كل خميس إلى تازناخت، يحاول بيع ما أنجزته يدا زوجته، غير أن السوق لا يختلف كثيرا من أسبوع إلى آخر، في فضاء يُنظر إليه باعتباره فضاء رجاليا، وفي كل خميس يواجه الأثمان نفسها: عروض يصفها بالبخسة، لا تُحتسب فيها أيام العمل الطويلة التي تقضيها زوجته أمام الصوف، ولا الجهد الذي يُبذل داخل البيوت.
وبينما يقف هو وسط الضجيج والمساومات ويتحدث، يشد على الزربية أكثر، كأنه يحميها من الأقدام والنظرات، يقول إن المبلغ المقترح بالكاد يغطي المصاريف الأساسية، ويترك للأسرة هامشا ضيقا لتدبير باقي الحاجيات، يواصل حديثه:” المبالغ التي تُعرض علينا هنا في السوق، لا تتجاوز كونها أثمانا هزلية، بينما يعيد تجار البازارات، وغيرهم من الوسطاء، بيع الزرابي نفسها بأثمان مضاعفة، خصوصا، حين تتوجه إلى الأجانب، أو حين تُرسل إلى مراكش لتُعرض هناك”. وبألمٍ مبطّن، وعينان تعكسان فهماً قاسيا لقواعد السوق، يضيف محمد: “أنا على يقين تام، بأن الزربية التي أضطر اليوم إلى بيعها هنا بحوالي 1500 درهم، سيعاد تسويقها لاحقا بما لا يقل عن عشرة آلاف درهم، وربما أكثر”.

 

شبكة معقدة تستنزف النساء
بين الزحام والصخب المعتاد للسوق الأسبوعي، وخلال جولتنا في هذه الدائرة الضيقة توجّهنا إلى أحد الوسطاء الذي كان يساوم على إحدى الزرابي. بعضهم قَبِل الحديث إلينا، مُبرّرا الأثمان التي يعرضها بارتفاع كلفة المعيشة ومصاريف النقل والتسويق. في المقابل، رفض وسطاء آخرون الإدلاء بأي تصريح، وتفادوا الإجابة حين سألناهم عن الأثمان التي يُعاد بها بيع الزرابي التي يَقْتَنُونَها.

وقفنا عند وسيط آخر يساوم. تحدث إلينا بهدوء، وهو يبرر الأثمان المنخفضة بأنها أمر عادي. وليس فيه أي ضرر، غير أنه يقول: “أنا لا أستطيع المغامرة بالشراء بسعر أعلى، وإلا سأخسر عند إعادة البيع”. كانت كلماته هذه، تحمل منطق السوق البارد، لكنه بدا مدركا للصبر الذي تقضيه النساء خلف المنسج، ولجهد كل خيط يتداخل مع الآخر.

في الجهة المقابلة، كان وسيط آخر يرفض حتى النظر إلينا، حين سألناه عن الثمن الذي يدفعه في الزرابي. لم يجب سوى بنظرة قصيرة، وغامضة، وكأن أي كلام عن الأسعار من شأنه أن يكشف أكثر مما يود أن يعلن. صمتُه كان يضيف على السوق طبقة من الغموض، وكأن كل عملية بيع تحمل أسرارا لا يجوز الكشف عنها.

بين هؤلاء، كان هناك وسيط رابع، أكثر صراحة، لا يتردد في الإشارة إلى أن الزرابي يعاد بيعها لاحقا بأسعار مضاعفة، خصوصا للأجانب أو عند إرسالها إلى مراكش. تحدث بابتسامة حادة: “العمل ليس مجانيا، والزبون يدفع أكثر في النهاية.” في كلماته شيء من الواقعية القاسية، لكنه يعكس وجها آخر من تجارة الزرابي، حيث لا يقدر العمل اليدوي كما يجب، إلا من خلال هامش الربح.

وبين الصرامة والسرية والصراحة، ظهر وسيط آخر متعاطف، لا يخفِ أسفه لما يحصل للنساجات، يدعى ابراهيم ويقول في تصريحه لنا: “لو كان بإمكاني دفع أكثر لهم، لفعلت”، لكن الحاجيات اليومية للسوق وطلبات الزبائن، إضافة للجودة، تحكمت بحركته، وجعلته محكوما بدوره كوسيط تجاري أكثر من كونه شريكا في التعب الذي يُصنع الزرابي.

“هؤلاء الوسطاء، وكلٌّ بطريقته، يُشَكِّلون شبكة معقدة تحيط بالعمل اليدوي للنساء. وبين المساومة، والصمت، والتبرير، يبدو السوق وكأنه حلبة اختبار للصبر، حيث تُقاس قيمة كل خيط، وثمن كل زربية، وفق قوانين لا علاقة لها بجهد الإنسان، بل بأثمان السوق وحدها”.

 

الزربية الواوزگيتية.. دهشة المرنيسي

تبدو الزربية الوازگيتية، – نسبة لقبائل أيت واوزگيت، القابعة في نقطة التقاء سلاسل جبال الأطلس، والتي تضم مجالا ترابيا يضم 4 دوائر، و 6 جماعات – أكثر من مجرد سلعة تنتظر مشتريا، ففي عمقها، نص اجتماعي وأنطولوجي منسوج بالصوف، هكذا التقطت عالمة الاجتماع والنسوية المغربية فاطمة المرنيسي، الزربية بوصفها سؤالا، ولغة أنثوية موازية تحمل ذاكرة النساء وأَزْمِنَتَهُنَّ.

وقبل أزيد من 20 عاما، وصلت المرنيسي إلى تازناخت ضمن قافلتها الثقافية، لِتُنْصِت للنساجات في الهامش، وتتأمل أياديهن، حيث أمضت في مناطق تازناخت، أياما عديدة وهي تصغي لبوح النساجات، محاولة في إسهامها للرفع من وضعيتهن الهشة، عبر التعريف بهن وبعملهن في الأوساط الثقافية، وطنيا ودوليا.

200 زربية واوزكيتة مختلفة وفريدة، جمعتها عالمة الاجتماع في منطقة تازناخت، خلال زيارتها لها، للتعريف بهن، وتعرض مجموعة من هذه الزرابي في “دار المعلمة” بمدينة مراكش، في معرض يقام فيها، عرفانا بما تقوم به المرنيسي.

سنة 2003، لم تقبل النسوية فاطمة المرنيسي، تسلم جائزة أمير أوستورياس، من الملك فيليب السادس، بدون أن تكون نساء هذه القرى إلى جنبها، وهي جائزة تعد بمثابة نوبل الإسباني.

وفي صورة نادرة لفاطمة المرنيسي، تظهر فيها وهي تقبل فيه يد نساجة، يتبدد فيها الإطار التقليدي للمعرفة والنخبوية، وتعلن فيه النسوية عمق بلاغة اليومي، وتعمق حضور النساجة كذات فاعلة وملهمة.

 

“الخيط الخفي للنسوية”
“فاطمة المرنيسي..الخيط الخفي للنسوية“، كتاب يعود للمحلل النفسي، أحمد فريد لمريني، وهو عضو مؤسس ورئيس في جمعية أصدقاء مركز فاطمة المرنيسي للأنشطة الثقافية، ويقع في 87 صفحة، يتحدث عن جانب من علاقة عالمة الاجتماع، فاطمة المرنيسي، بالنسج والزربية ونساجات تازناخت.

الكتاب يستحضر أيضا، العلاقة الحميمة لفاطمة المرنيسي، مع رمزية فن التطريز، كتعبير عن التمرد والتحرر من قيود النظام الأبوي. في مقدمة الكتاب يكتب صاحب الكتاب:«النسيج ورغم اختلافه عن التطريز، في ممارسته ورمزيته، يعيد المرنيسي بالذاكرة إلى طفولتها التي أمضتها في “رياض الحريم”، بين المطرزات وهو ما تستحضره في كتابها”أحلام النساء”».

 

مركز إنعاش الزربية

هنا في تازناخت، وعلى بعد خطوات يسيرة، من الرصيف الذي تباع فيه الزرابي، يقع المركز النسوي لإنعاش زربية تازناخت، وهو مشروع كان لفاطمة المرنيسي سبب في إخراجه للوجود، بعد تدشينه من طرف الملك محمد السادس، هذا ما أكدته لنا رئيسة المجموعة ذات النفع الاقتصادي “تاكظيفت” بتازناخت، لطيفة الداودي، في تصريح لها لـنا:” وضع الحجر الأساس للمركز النسوي لإنعاش الزربية بتازناخت، سنة2007، قبل أن يتم تدشينه رسميا سنة 2011، تزامنا مع الزيارة الملكية للمدينة، غير أن الفكرة، في عمقها، ارتبطت باسم الراحلة فاطمة المرنيسي، التي حرصت على الإنصات مباشرة إلى النساء النساجات، وسألتهن عن حاجياتهن الحقيقية، فكان المطلب الأول هو توفير فضاء قار لتسويق الزرابي. على إثر ذلك، تقدمت النساء بطلب من أجل إحداث هذا المركز”.

وتضيف لطيفة الداودي:”في بداياته، تَوَلّت تسيير المركز جمعية «تيفاوت للمرأة القروية» خلال الفترة الممتدة من 2011 إلى 2015، غير أن التجربة لم تستمر، ما أدى إلى إغلاقه. لاحقا، ومع تأسيس مجموعة ذات النفع الاقتصادي لتازناخت الكبرى سنة 2017، والتي تضم 35 تعاونية وتمثّل 5 جماعات ترابية، تقدّمنا بطلب من أجل إعادة فتح المركز وتسييره”. وتشير المتحدثة أن:”المركز اليوم يضطلع بدور أساسي في تسويق زرابي النسّاجات، إذ تضع النساء منتوجاتهن سواء في إطار جمعوي، أو تعاوني، أو حتى بشكل فردي، وحين يتم بيع الزربية، تتسلّم كل امرأة مستحقاتها المالية مباشرة”.

 

دلالات ورموز عميقة
أما بخصوص رموز الزربية الواوزكيتية، تقول الداودي أنها: “تحمل دلالات ثقافية عميقة مرتبطة بمنطقة واوزكيت، كما تختزن أبعادا تاريخية، تحكي جانبا من ذاكرة المجال وساكنته”. ومن خلال هذه الرموز، توضح لطيفة:”تعبّر المرأة النسّاجة عن محيطها المعيشي واليومي، مستحضرة أشكالا هندسية مثل المثلث، والمستطيل، والمربع، إلى جانب رموز مستوحاة من الحيوانات الأليفة، كـالقطط والدجاج والبقر”.

“في الزربية هناك حضور أيضا لرموز تحيل على الوشم الذي كان شائعا في الماضي بين النساء، فضلا عن إشارات إلى الحُلِيّ التقليدية التي كانت المرأة تتزيّن بها، مثل «تاخلالت»”، تقول لطيفة. وهكذا لا تُعدّ الزربية مجرد منتوج حرفي، بل لغة بصرية تختزل التاريخ والهوية والذاكرة النسائية للمنطقة.

الزربية الواوزكيتية ليست مجرد منتوج حرفي، بل لوحة تعكس الحالة النفسية والأنطولوجية للمرأة النسّاجة، في خيوطها، يتجلّى سكونها، وقلقها، وفرحها وحزنها، وكل نمط هندسي، أو رمز حيواني يحمل شيفرة أو لغة سرية تُفكّر بها النسّاجة وتُحَوِّلها إلى واقع ملموس. ومنذ القدم، كانت الزربية بمثابة رسالة حياة ووجود؛ ففي لحظة زواج المرأة، كانت ترسل لعائلتها زربية نسجتها بنفسها، لتخبرهم بحالتها النفسية والمعنوية في بيت الزوجية الجديد.

كل الخيوط تنطق بما لا تستطيع الكلمات أن تقوله، وتصبح فيها أنامل النساء مرآة للذات، وعملية النسج طقسا وجوديا يؤسس لعلاقة مغايرة بين الإنسان والعالم، بين الخبرة الفردية والتاريخ الجماعي، بين التعب الشخصي والقيم الثقافية للمجتمع.

 

إكراه التسويق.. مشكل الجودة
عدة إكراهات تعاني منها الزربية الواوزگيتية، يظلّ أبرزها تشير رئيسة المجموعة ذات النفع الإقتصادي:”مشكل التسويق، وهو إشكال ناتج عن اختلال واضح بين العرض والطلب. ففي تازناخت، اليد العاملة النسوية كثيرة، وعدد النساء اللواتي يشتغلن في نسج الزرابي كبير، في مقابل غياب فضاءات مهيّأة وقارّة لتسويق هذا المنتوج. ونتيجة لذلك، يبقى السوق الأسبوعي الخيار الوحيد أمام أغلب النسّاجات، رغم كونه فضاء غير ملائم لبيع الزربية الواوزكيتية”.

“رغم المرافعات المتكررة حول هذا الموضوع، واقتراح إحداث فضاء خاص بالنساء يوفّر لهن الحماية من حرارة الشمس وبرودة المطر، لم يتم تفعيل أي حل عملي إلى اليوم”. تضيف الداودي.

تواصل حديثها:”ورغم وجود نساء منتظمات في إطار تعاونيات، إلا أن عددهن يبقى محدودا جدا، بعدما كانت بعض التعاونيات تضم في السابق أزيد من سبعين امرأة”. وبالرغم من توفر عدد من النساجات على الضمان الاجتماعي، تقول الداودي: “أنه مكسب إيجابي من حيث المبدأ، إلا أن ضُعف أثمان بيع الزرابي وعدم تناسبها مع حجم الجهد المبذول، دفع بعدد من النساء إلى مغادرة التعاونيات، لتصبح هذه الأخيرة شبه فارغة”.

مشكل آخر تعاني منه الزربية الواوزكيتية، ويطرح نفسه بإلحاح، مرتبط بالجودة، وتوضح لنا لطيفة “أن عددا قليلا فقط من النسّاجات يشتغلن بزربية ذات جودة عالية، ففي الغالب، يتم اللجوء إلى خيوط تُجلب من مراكش وتُباع في تازناخت، وهي خيوط منخفضة الجودة، تُصَنّع من مخلفات قد تكون مضرة بالصحة وتسبب الحساسية”. أما النسج بالصوف الطبيعي، فتقول أنه يبقى نادرا جدا، ولا يقتصر عمليا سوى على ثلاث أو أربع نساء بمنطقة إخزامن، في حين تعتمد الغالبية على المواد الأولية ومواد الصباغة المتوفرة في السوق”.

 

أجيال جديدة.. تطلعات أخرى
“في السابق، ووفق دراسة أنجزتها الوزارة الوصية، كان عدد النسّاجات يتجاوز 22 ألف امرأة، غير أن هذا الرقم، بحسب لطيفة، عرف تراجعا كبيرا في السنوات الأخيرة، إلى درجة بات معها عدد اليد العاملة اليوم ضئيلا جدا مقارنة بما كان عليه في الماضي”.

وتضيف لطيفة:”أن النسبة الأكبر من النسّاجات حاليا تتركز بجماعة إخزامن، والتي ما تزال تحافظ على تقاليد الزربية، تليها جماعة سيروا، ثم إزناكن ووسلسات، في حين تسجَّل نسبة محدودة فقط بمدينة تازناخت، موزعة بين أحياء القصبة وتالوست وأدروگ”.

“هذا التراجع، يعود إلى جانب العوامل الاقتصادية، إلى تحوّل اجتماعي وثقافي مرتبط بالجيل الجديد، إذ لم تعد الفتيات يُقبلن على نسج الزربية كما في السابق. ففي الماضي، كانت الكثير من الفتيات يغادرن مقاعد الدراسة في سن مبكرة، ويجدن في نسج الزربية موردًا وملاذًا مهنيًا، بينما اليوم، تتجه أغلبهن إلى استكمال الدراسة الجامعية، ما يعمّق الفجوة بين الحرفة التقليدية والأجيال الصاعدة”. تنهي لطيفة الداودي حديثها معنا.

ورغم كل هذا الثقل الرمزي والإنساني، تواصل الزربية الواوزكيتية الظهور في واجهات الإحتفال، أكثر مما تحضر في سياسات الإنصاف، فقد وصلت المهرجانات الوطنية الخاصة بها نسختها السابعة سنة 2024، نهاية شهر نونبر، تحت شعارات واعدة.

غير أن الفجوة بين الشعار والواقع لا تزال واسعة؛ مشاكل التسويق، وهشاشة الدخل، وغياب الفضاءات اللائقة، واستنزاف اليد العاملة النسوية، كلها إكراهات لا تزال قائمة مع نهاية كل دورة.

إذ تبدو آفاق الإحتفاء ضيقة، حين لا تترجم إلى حماية وحقوق ملموسة. وربما آن الأوان للتفكير في أن تنقل الزربية الواوزكيتية، إلى سجل الذاكرة الكونية، مثل قائمة التراث العالمي لليونسكو، حينها قد تجد النساجة اعترافها وعدالتها، وتتحرر الخيوط كي تكون أساسا للكرامة.

عادل ايت واعزيز

عادل ايت واعزيز، صحافي مغربي، خريج الفلسفة بجامعة القاضي عياض، وخريج المعهد العالي للصحافة والإعلام
Ce texte a été réalisé dans le cadre de la session Storytelling pour l’égalité entre femmes et hommes, avec le soutien de l’Institut français du Maroc.
À lire aussi sur Enass.ma.

16 janvier 2026