بين القانون و الفقه : ما مصير ضحايا الاغتصاب الزوجي ؟
حينما تصبح اللحظة التي من المفروض أن تكون متعة و اتحاد الزوجين في نفسٍ واحدة مفعمة بالودّ وطواعيةً ، لحظة إيذاء و سيطرة ، يصبح الفراش مسرحا لجُرم يُرتكب في حق جسد الكثيرات من النساء اللاّواتي يتألمن في صمت تحت أضواء خافتة و أسقف لا تدركها عين المجتمع ، خوفا من ثقافة (الحْشومة و العار…
زينب امرأة متزوجة تبلغ من العمر53 سنة ، وأم لثمانية أبناء، و إلى الآن تعاني جرح الزواج التقليدي و إن هي مستمرة في خوض دور الزوجة بضرورة التقاليد و الأعراف التي تجرّم الطلاق ، و تحرّم صوت المرأة من طلب حقها ، ليصبح طلب الرجل للواجب في المقابل طاعة لا قيود لها . هكذا وجدَت نفسها في مأزق بين طلب النفقة كونها حق شرعي على الأبناء ، و رفض أن يكون جسدها هو الوسيلة للحصول على ذلك كونه حُرمة مقدسة و ليست وسيلة جنس .
عِشرة مضروبة في صفر
تحت سفوح التضاريس الجبلية الشّونية بقبائل غمارة المهمّشة و المنسية حيث تدفن حقوق النساء باسم الطاعة ، تفتح زينب عينيها على سلطة أبيها ، و من ثم تغمضهن في سن 16 سنة حزناً و نكراناً للواقع حينما نطقت “بنعم ” تحت وطء التهديد بالسخط ، بينما الزغاريد تتوالى خارجاً فرحاً قبولا لها على زواج من ابن عمها ، و دفنت منذ ذاك الكثير من أحلامها بفستان أبيض الذي تحول في مخيلاتها إلى كفَن ؛ “ألبسوني الكفن في ليلة زواجي “.
لم تكن على استعداد لما ستكونه بعد زواجها ، لكنها كانت المرأة الحادكَة _ الزوجة المصونة الجميلة التي توقظ الرغبة ، الأم المتفانية ، كانت تماما صورة متشكلة على مقاس العادات و التقاليد و الدين ، لا عيب فيها سوى أنها أرادت أن تتحرر من قبضة الطاعة في أيام بلغ فيه الصّبر منتهاه ، تقول بنبرة تثير الشفقة في أحد تصريحاتها : ” كنت أفعل كل ما يريد ، لكنه أدار عليّ ظهره بين ليلة و ضحاها و ضرب عِشرة سنين عرض الحائط حينما رفضتُ أن أظل خاضعة له في كل حين ، بينما هو لا يؤدي واجبه كزوج مُحترم يخاف الله . نتيجة ذلك أمسك يده عن النفقة دون اكتراث لمسؤوليته كأب على الأقل ، علاوة على كل هذا يرفض أن يمنحني حقي من ثمن بيع المحصول الموسمي من زراعة الكيف، الذي أجاهد نفسي فيه و أنا حامل لأسانده في ذلك ، و ينكسر ظهري في حمل الحطب لتربية المواشي وكل هذه الأشغال لا تعفيني من كوني ربت بيت .
إن النفقة في القانون المغربي هي واجب شرعي و قانوني يتحمله الزوج تجاه زوجته و أولاده ، و تشمل كل ما يلزم لضمان العيش الكريم، أي هي التزام مالي يتحمله الزوج في إطار علاقة زواج أساسها ميثاق غليظ و لا يحق للزوج الامتناع عن النفقة و لم يذكر القانون صراحة أسباب سقوطها، غير أنه تكفل الفقه بالحديث عن ذلك و منها إذا كانت الزوجة “ناشزا” طبقا لما جاء في الصحيحين البخاري و مسلم في باب النّكاح ؛ عن أبي هريرة، قال: قال النبيُّ : «إذا باتتِ المرأةُ مهاجرةً فراش زوجها لعنتْها الملائكةُ حتى ترجع». و في لفظ مسلم: «حتى تصبح».لم تخجل زينب على قول الحقيقة، تقول بجرأة كان يعاشرني رغما عني و إن كنت حائضا و يبتزني نفسيا لفعل ذلك و إلا يتزوج ب امرأة أخرى و الطرد من بيت الزوجية ، و لا يعي بمدى مسؤلية ذلك إن نتج عن العلاقة حملا أم لا ، ، في جميع الحالات هو لا يكترث لتربية الأبناء وامتنع كثيرا عن تسجليهن في الحالة المدنية ، و لا أنكر أنه رغم ذلك كنت أرضيه جنسيا من أجل إرضاء الله تعالى وفي نفس الوقت تحقيق راحة مادية وهمية من أجل مصلحة أبنائي، إذ أستطيع مصاحبته للسوق و اختيار ما أشاء من الأغراض الضرورية لنا و للبيت ،غير أن ذلك لم يستمر لوقت طويل حيث أصرّيتُ على التخلص من مأزق النفقة و الابتزاز النفسي هذا حيث ذهب عمري و صحتي سدى ، فقررت الهروب إلى مدينة طنجة أنا و أبنائي و قد فعلت .
الاغتصاب الزوجي بين عمق الواقع و الهامش
لا توجد إحصائيات دقيقة بخصوص الاغتصاب الزوجي و إن كانت زينب واحدة من الكثير من الحالات التي اعترفت بهذا النوع من الاعتداء و الابتزاز و إن كان تحت مسمّى آخر على أمل أن يعترف بها المجتمع ، لكن هناك إحصائيات التي تعترف بالعنف الزوجي الذي تتعرض له المرأة كمفهوم عام ، و نستحضر في هذا الاطار التقرير السنوي حول العنف ضد النساء لسنة 2024 من الفترة الممتدة من 10 يوليو 2023 إلى يونيو 2024 على صعيد ثمانية مدن بالمغرب ، تحت إشراف شبكة نساء متضامنات و فدرالية رابطة حقوق النساء FLDF ” حيث توجد 57 % من النساء اللواتي تعرضن للعنف على يد أزواجهن . ”
و في أطار البحث الذي أجريته داخل المحكمة الابتدائية بطنجة / قسم قضاء الأسرة في التحري وراء أي أحكام قضائية حول هذا الموضوع الذي كان بمثابة نقطة ضوء حمراء أمام الموظفين و موضوع حساسية و بعد زيارة عدة مكاتب دون تفاعل ، منها مكتب تنفيذ الأحكام الخاص بالنفقة ، فإنه لا يوجد أي ملف يتعلق بدعوى امتناع الزوج عن النفقة باعتبارها وسيلة ابتزاز لمعاشرة الزوجة و إن كرهت، حيث يستخدم في أغلب الحالات العنف ضد الزوجة ، غير أن إعادة تأكيدي على عبارة “الاغتصاب الزوجي ” باعتباره جريمة موجودة في واقع زينب و مثيلاتها من النساء في المجتمع كان يبعدني أكثر على الوصول إلى حالة استمع إليها القانون بحكمة و عقلانية .
و قد استمعت لتصريح آخر لموظف أخبرني أنه ” اشتغل أربع سنين في قضايا العنف ضد المرأة ولا ملف واحد اشتغل عليه يتضمن هذه الجريمة ” أي الاغتصاب الزوجي بالتحديد .
و في تصريح آخر أفاد به موظف :” لقد تلقيتُ ملفا حول قضية (الاغتصاب الزوجي ) والنفقة وقد أحيل على محكمة الاستئناف باعتباره جناية ، ثم تم الحكم استئنافيا بعدم الاختصاص و تحويله إلى جنحة و إعادة إحالته على المحكمة الابتدائية و قد حُكم الزوج بالبراءة و ظلت جنحة النفقة قائمة و الملف الان في جلسة تأمل”.
جرأة مُغتصبة في مقابل ” حكم يُندى له الجبين“
بينما زينب وجدت في الهروب إلى طنجة نجدةً لما تبقى منها من نفس ثكلى و جسد متهالك ، تجد (ك .ن ) نفسها تضع نزيف عذريتها في ملفات قضائية و شهادات طبية .
بتاريخ 30/06/2018 انتقلت الضابطة القضائية فرقة الشرطة القضائية بالعرائش إلى مستشفى المدينة حيث صرحت الضحية أنه تم نقلها على متن سيارة الإسعاف الى المستشفى و هي تنزف دما من فرجها …
قبل حدوث المأساة بيوم ، رحبت الضحية بزيارة زوجها لها بمفردها في بيت والديها رغما من الخلاف الدائم بينهما ، إلا أن ذلك انتهى بكارثة في حق كرامتها الإنسانية ، بعد نقاش حاد دار بينهما حول هذه الخلافات ، خصوصا أنها قررت فسخ الارتباط الذي دام حوالي سنة ، كونها لم يكن مرغوب فيها من قبل عائلته ، الأمر الذي جعله يفقد صوابه و شرع في الصراخ في وجهها و اقترب منها و هددها بالقتل و قتل نفسه أيضا في حال تركته ، و أخذ يقترب منها شيئا فشئيا حتى أسقطها أرضا حينما لم يعد لها قوى لتوقفه عن ارتكاب جرمه ، و قام بوطئها غصبا عن إرادتها حيث أدخل ذكره بعنف ووحشية في فرجها رغم توسلها إليه للكف عن ذلك ، و تمكن من افتضاض بكراتها بشكل غير طبيعي و تركها تنزف دما ثم تم نقلها للمستعجلات و أدلت بشواهد طبية تفيد تعرضها لعنف جنسي .
و في المقابل قد أكد المشتكى به لدى ضابطة الشرطة القضائية في تصريح له أن المشتكية زوجته على سنة الله و رسوله لولا ضائقة مادية حالت دون إقامة حفل الزفاف ، و بأنه سبق لهما أن مارسا علاقة جنسية برضاها بشكل سطحي ، و أنه يوم الحادث لم يضبط نفسه و أدخل ذكره في فرجها و لم يكن مستوعبا أنها تنزف دما ، ثم أنه غادر البيت بعد ذلك بطلبها .
و بمتابعة الدعوى و استنادا إلى الوقائع المذكورة في الملف الجنائي حول موضوع الاغتصاب الزوجي الذي صدر عنه قرار رقم 232 عن غرفة الجنايات الاستئنافية بطنجة بتاريخ 04/09/2019. و الذي يعتبر سابقة في تاريخ القضاء المغربي ، حيث أصدرت محكمة الاستئناف بطنجة حكما قضي بشكل صريح بتجريم الاغتصاب الزوجي ، و ألغت حكما ابتدائيا سابقا كان قد كيف فعل الاغتصاب الزوجي على الايذاء العمدي في حق الزوجة و هذا ما كان باعتباره علامة مضيئة تم تناولها في مشروع حقوق المرأة الإنسانية _علامات مضيئة في أحكام القضاء العربي الدراسة التحليلية لعينات من الأحكام القضائية المختارة الصادرة عن محاكم المغرب ، في الفترة الممتدة ما بين سنة 2010 إلى غاية سنة 2020 .
و قرار المحكمة هذا ا يضع حدا لاجتهاد قضائي متواتر يقضي بعدم تجريم الاغتصاب الزوجي من منطق قراءة تأويلية للنص المجرم للاغتصاب ، كانت تستثنى العلاقة الزوجية من إمكانية تطبيق هذا النص ، استنادا إلى الاعتقاد بكون عقد الزواج يجعل الزوجة في حالة رضى مفترض بخصوص أي علاقة جنسية مع زوجها ،
إلا أنه هذا القرار تم إحباطه من طرف محكمة النقض بطنجة ، حيث قضت بإحالة القضية على محكمة الاستئناف بنفس المدينة ، التي كانت قد حكمت على المشتكى به بالسجن عامين ، و دفع غرامة مالية و تعويض للضحية .
وفي هذا الإطار قالت سميرة موحيا ، رئيسة فيدرالية رابطة حقوق النساء لموقع هسبريس _انتقاد لإلغاء حكم بالاغتصاب الزوجي ، إن ” الحكم الذي صدر تزامنا مع اليوم الوطني للمرأة المغربية يندى له الجبين. “
وأبرزت أن حكم محكمة النقض “ينتصر للفقه والرؤية النكوصية أو الدونية فيما يتعلق بالنساء وحتى بالمنظور الفقهي للأسرة، إذ يتم اعتبار النساء في مرتبة ثانية بعد الرجال”، مشيرة إلى أن : ” هذا الحكم يكرس التطبيق الظالم للقانون”.
و هكذا يقفل ملف الضحية (ك.ن )على انتصار الثقافة الاجتماعية الحاضرة بقوة حتى في القضاء ، ويترك ملف زينب في نفس القضية مفتوحا على مصراعيه ، يُروى قصة إنسانية على الأوراق .
و في جميع الحالات قد مزقت بكارات على الشراشيف لكن القانون غض عنها النظر بشكل او بآخر حينما تحفّظ عن وضع مفهوم واضح لهذه الجريمة ؛ الاغتصاب الزوجي ، بحيث أنه انطلاقا من مجموعة القانون الجنائي المغربي في الفصل 486 يعرف “الاغتصاب ” بأنه: “مواقعة رجل لامرأة بدون رضاها” . على اعتبار أن مفهوم الاغتصاب في هذا النص لم يستبعد الزوجين من التطبيق و إن كان لا ينص على ذلك صراحة ، في حين أن في الواقع العملي للقضاء يظل تجريم الاغتصاب الزوجي في المغرب متوقفا على الاجتهاد القضائي ، و لم يتم حسم هذا الاختلاف أيضا في قانون 103.13 المتعلق بمناهضة العنف ضد النساء الصادر سنة 2018 الذي استخدم فيه المشرع في المادة الأولى منه : …”العنف الجنسي باعتباره”: كل قول أو فعل أو استغلال من شأنه المساس بحرمة جسد المرأة لأغراض جنسية أو تجارية، أيا كانت الوسيلة المستعملة في ذلك”. حيث لم يحدد بدوره مفهوم جريمة الاغتصاب الزوجي بدقة ، و عليه الأمر الذي ترك فراغا في التطبيق عند وقوع الجريمة ، بين الفقه الذي فيه تضارب الآراء و أغلبها لا تعترف بهذه الجريمة في إطار عقد النكاح و القانون الذي كان غير واضحا في تأسيس المفهوم و يعود إلى الاجتهاد القضائي و حتى ثقافة المجتمع التي تخجل من وضع هذه الجريمة على عاتق الزوج باعتباره حقه المشروع ، حتى يؤخذ في نهاية المطاف بما من شأنه الحفاظ على العلاقة الزوجية و لو على حساب كرامة المرأة .
اميمة التهامي
![]() |
اميمة التهامي طالبة قانونية في سلك ماستر جامعة عبد المالك السعدي بجامعة عبد المالك السعدي طنجة / تخصص: الدراسات العقارية والتوثيق الرقمي. مشاركة في مدرسة التفكير النقدي. وسيطة عقارية |
| Ce texte a été réalisé dans le cadre de la session Storytelling pour l’égalité entre femmes et hommes, avec le soutien de l’Institut français du Maroc. À lire aussi sur Enass.ma. | ![]() |










