Édition,
investigation
et débat d'idées

بنات الضيعات… نساء يعملن في الهامش ويعشن خارج دائرة العدالة

الساعة تشير إلى الرابعة صباحا، مباركة 40 سنة، أرملة وتعيل 4 أبناء تروي تجربتها في العمل بالضيعات الفلاحية، بعد وفاة زوجها وجدت نفسها مجبرة على الخروج من البيت لجلب لقمة العيش لأطفالها، تحكي بنبرة صوت مرتجف من قسوة البرد، حالها وحال صديقاتها من العاملات في الضيعات الفلاحية، اللواتي يتجمعن في مكان خاص يسمى الموقف، حيث تصطف العديد من النساء جنب الحائط المعلوم، في انتظار من سوف يعملون معه هذا اليوم، فجأة وصلت سيارة من النوع الخفيف فإذا بالنساء يهرعن جريا من أجل التواصل مع صاحب السيارة، الذي اختار 30 عاملة بأجرة 70 درهم لليوم لجني حقل من الجلبانة، وصلت سيارة ثانية من الحجم الكبير فإذا بالعاملات يتدافعن ويتزاحمن في السيارة التي سوف تقلهم إلى الضيعة الفلاحية، الاكتظاظ داخل السيارة والدفئ من قسوة البرد أنساهن عدم توفر السيارة على سبل الراحة والرائحة النتنة التي تفوح منها .

من قلب الحقول… انتقام صامت

تتوجه مباركة وزميلاتها من عاملات الضيعات الفلاحية للحقل لجني الجلبانة بعد وجبة الإفطار حيث يتبادلن أطراف النقاش والضحك و”التقشاب” الذي يشحنهن لأداء المهمة الصعبة. يقوم المعطي 56 سنة بتوزيع العاملات على حقل البازلاء والمحظوظة منهن من تكسب وده وولاءه، لكي تشرف على عملية سهلة وهي الإشراف على إعداد الطعام، ليس كل عاملة محظوظة بهذه المهمة بل لابد من تنازلات وإيحاءات وقد تصل في بعض الأحيان إلى معادلة الجسد مقابل إعداد الطعام، وتروي جميلة 32 سنة مطلقة بدون أطفال، وهي تضحك بصوت صاخب أنها ذات مرة في أحد الضيعات الفلاحية قامت بوضع البول في إعداد طعام المشرف على الحقل الذي كان يبتزها بكل أشكال الإبتزاز والإعتداء، فما كان لها من خيار لتطفئ به جمرة غضبها سوى هاته العملية وتقول بالدارجة المغربية ” برد ليا قلبي دابا” .

 

وجع الظهر… وثِقل المسؤولية

تتوزع العاملات على حقل الجلبانة، تحمل كل واحدة كيسا بلاستيكيا “خنشة ” وتأخد موقعها في مكان يسمى ريبو RIPO ، الذي تختلف مسافته بين 50 و100 متر، هنا تظهر حنكة وتجربة العاملات بالضيعات الفلاحية خاصة في جني الجلبانة التي لها طقوس خاصة في الجني حيث تختار الذكية منهن المزود الممتلئ بحبات الجلبانة، وما يزيد من صعوبة المهمة هو الطقس البارد الذي يصل في بعض المناطق بإقليم شيشاوة المعروفة بضيعات الجلبانة إلى -3 تحت الصفر. علامات تشقق الوجه و اليدين والكدمات تلخص كل المعاناة التي يتعرض لها العاملات بالضيعات الفلاحية، فكما هو معروف أن جمال المرأة يكمن في العناية ببشرتها و يديها والحفاظ على أنوثتها، لكن قسوة ومرارة العيش جعلتهن يبتكرن أنجع الطرق لتغطية الوجه واليدين من خلال وضع أكياس بلاستيكية وجوارب قطن في اليدين تقيهم برودة الطقس والمواد الفلاحية المرشوش بها حقل الجلبانة، تروي فضيلة 45 سنة متزوجة، حامل في الشهر السادس، أنها مجبرة على العمل لكي تعيل أسرتها وزوجها الذي أصيب بأزمة نفسية حادة ألزمته البيت، حيث تقوم بإخفاء حملها عن صاحب الضيعة الذي يطرد كل عاملة حامل، تحكي و تبكي من شدة الألم نتيجة تقوس الظهر في جني الجلبانة، أن الألم الذي تحس به يفوق مخاض الولادة ، وما ينسيها كل هاته المعاناة هو تلك الأفواه الجائعة التي تنتظرها بفارغ الصبر عند رجوعها للبيت.

 

حين يحرس المفتاح غياب الأم…

فاطمة الزهراء 32 سنة معلمة، تروي أنها ذات مرة طلبت من أحد التلاميذ الكتابة بالسبورة فلاحظت شيئا غريبا بعنق التليمذ، فسألته المعلمة ما ذلك الشيء المعلق في عنقك فأجاب ببراءة إنه مفتاح المنزل، وقالت المعلمة للتلميذ لماذا تربطه بعنقك قال أمي تعمل بالضيعات الفلاحية وليس لها وقت محدد لدخول المنزل، وتخاف أن نضيع المفتاح، فتقوم بربطه بعنقي مثل القلادة لكي لا أضيعه، يروي التلميذ أن أمه تخرج في الصباح الباكر من أجل العمل، وتتركه هو وإخوته الصغار بمفتاح معلق في العنق، بعد أن تحضر لهم الطعام، ويقوم التلميذ بإيصال إخوته للمدرسة ويروي أن أمه تعمل في الضيعات الفلاحية لأنها دائما تحضر لهم الخضر والفواكه من الحقل الذي تعمل به، نجتمع بأمنا في المساء عندما تعود للمنزل منهكة، متعبة من العمل تحاول أمي إخفاء تعبها ومعاناتها، لكن حتى لو لم تتكلم أو تشكي حالها فالوضع يشرح نفسه بنفسه.

يوسف سلوان

يوسف سلوان طالب دكتوراه في تخصص الصحافة والإعلام الحديث، بكلية اللغات والآداب والفنون – جامعة ابن طفيل بالقنيطرة. باحث مهتم بقضايا الإعلام الرقمي، التحولات الإعلامية، وتأثير وسائل الإعلام الحديثة على المجتمع. صحفي ممارس له اهتمام بالتحليل الإعلامي، السياسات الإعلامية، والتواصل الرقمي، ويشارك في أنشطة بحثية وأكاديمية ذات بعد وطني ودولي.
Ce texte a été réalisé dans le cadre de la session Storytelling pour l’égalité entre femmes et hommes, avec le soutien de l’Institut français du Maroc.
À lire aussi sur Enass.ma.

27 janvier 2026