بين الألم والصمت: العنف النسائي والتوليدي بالمغرب
المستشفى مكتظ، الأصوات مزعجة، ألم أمي يُتجاهل… ولادتي كانت شاهدة على صمت النظام الذي يصف معاناة النساء بـ “الروتينة”.
ليلة باردة في ديسمبر، والمطر يقرع نوافذ المستشفى. رائحة البصارة تتسلل عبر ردهة ضيقة. قالت القابلة: «صبري عليا حتى تطيب البيصارة»، بينما كانت تقلصات أمي تتفاقم في جناح بلا أي أيدٍ كافية. البقول وزيت الزيتون. الأصوات المزعجة لوحدة الولادة المكتظة. ألمها مُتجاهل. هذه هي الصور التي ما زالت حية في ذهنها.
لم يأتِ طبيب التوليد أبداً. قابلة وامرأتان بلا أسماء، ربما ممرضتان أو عاملتان نظافة، قدمن لي إلى هذا العالم. وفي وقت لاحق من تلك الليلة، ظهر الطبيب متأثراً بالكحول، يغني أم كلثوم: «مبروك عليك العزبة». نجونا. لكن مريضة أخرى، بعد أشهر، لم تفعل. غادر طبيب نوبته مبكراً، ونزفت أم جديدة حتى الموت، بلا عناية. هكذا ينمو الصمت، داخل لغة تطبع الألم كأمر عادي، داخل أنظمة تصف معاناة النساء بأنها «روتينية». وعندما أخبرت والدتي أنني أريد الكتابة عن العنف النسائي والتوليدي، روت لي لأول مرة قصة ولادتي.
حيث تتحوّل المستشفيات إلى مقابر
الواقعة ليست مجرد أرقام. ففي عشرة أيام من أغسطس 2025، توفيت ثماني نساء بمستشفى الحسن الثاني بأكادير بعد عمليات قيصرية. الشوارع والشاشات امتلأت بالغضب من أجل الحق في الصحة. وخلال احتجاجات «جيل زد 212» التي انتقدت «المغرب ذو السرعتين» ونظام الصحة العمومي في أزمة، توفيت امرأة أخرى في نفس جناح المستشفى. السؤال يبقى: لماذا تموت الحوامل؟ أي ترتيبات القوة، في المستشفى، في السياسات، وفي الحياة اليومية، تحدد من يستحق الاهتمام، ومن يجب أن تنتظر حياته، ومن يؤخذ ألمه بعين الاعتبار؟
النقص الهيكلي يزيد الطين بلة. ففي 2019، كان المغرب في القطاع العام يضم 456 طبيب نساء وولادة لـ36 مليون نسمة، أي طبيب لكل 38,750 امرأة تقريباً. يصف العاملون الصحيون: «حوالي 40 ولادة يومياً في ظروف مزرية، مع 2 إلى 3 قابلات وطبيب توليد واحد لكل نوبة 12 ساعة… القابلات يعتمدن على عمال النظافة لمساعدة أثناء الولادة… تم خياطة تمزقات العجان في ظروف غير صحية، تاركة أضراراً مستمرة».
يقول الدكتور زهير لهنا، طبيب نساء وتوليد وجراح حوض، المعروف بمبادراته الإنسانية: «في 2025، خدمة المناوبة لم تتحسن، بل في بعض الحالات تدهورت بسبب قلة أطباء النساء والولادة في القطاع العمومي. الأطباء ينتهون من نوباتهم عند الرابعة مساءً، وفي المساء، تعمل المستشفيات الإقليمية كمراكز صحية: القابلات وحدهن، يتصلن بأطباء النساء. أي امرأة تحتاج إلى إدارة نشطة للقيصرية أو النزيف أو ولادة صعبة أو ضائقة جنينية تُحال إلى المستشفى الإقليمي».
داخل مستشفى الحسن الثاني، مركز الإحالة لجهة سوس ماسة، يطلق عليه الناس «مستشفى الموت». تقول إحدى النساء اللواتي ولدن هناك في 2000: «ضربوني أثناء الولادة، نزفت وأرسلوني إلى البيت». وفي ولاداتها التالية، أنجبت وحيدة، «بدون أي مراقبة، أردت تجنب التعرض لهذا العنف مرة أخرى». امرأة أخرى تصف جناح المستشفى: «القذارة، البراز، ستون مريضة تستخدم مرحاضين قذرين. رأيت قططاً في الغرف، وصراصير ليلاً. جلبت معي مواد التنظيف ومبيد الصراصير». امرأة ثالثة تقول إنها دفعت نصف ما طلبه الطاقم؛ وبعد الولادة، اعتدت عليها موظفة بالمستشفى «ضربتني ودست على قدمي، تصرخ أمام البقية. كنت خائفة على ابنتي المولودة؛ لم أنم طوال الليل لمراقبتها. هذا مقبرة، ليس مستشفى». امرأة أخرى، وجهها مغطى بالكاميرا، تقول: «هذا المستشفى يعمل بالرشاوى. حدث معي، ولدت هنا ثلاثة أطفال. طلبوا 6,000–10,000 ريال: ‘حتى نتفاهم مع راجلك، بعد نشوفوك’».
توضح د. لهنا: «المستشفى العمومي هو شريان الولادة للنساء الفقيرات (المستبعدات من التغطية الصحية الإجبارية أو على AMO التضامنية)، أي أكثر من نصف السكان، ربما 70%. لكن نقص الطاقم والمعدات، وأحياناً غياب الإنسانية، يترك النساء الفقيرات والريفية بلا رعاية مناسبة. كثيرات يعانين عنفاً ولادياً ولفظياً وجسدياً يبدأ بالإهمال وينتهي بمضاعفات خطيرة. هذا فشل منظومي: يجب أن تُعامل الولادة، صحة الأم، وصحة المولود كأولوية».
تذكر مليكة، التي أحيلت من إنزكان إلى أكادير قبل سنوات، قابلة أجبرت أصابعها داخلها مسببة نزيفاً: «مالنا على هذه الوحشية، هذا لحمي». سرير الولادة كان ملطخاً بالدم. وعندما اعترضت، صرخت القابلة: «واش نتي جاية تشرطي؟ طلقي تولدي إذا بغيت تولدي». تعرضت للقرص والصراخ: «منين كتحمّلو رجليك، كتكونو فرحانين، دابا كتبوحو علينا». تم غسل المواليد في مغسلة قذرة، وجلبت العائلات أدواتها: غرز، إبر، وبيتايدين. بعد عقود، ما زالت مليكة، مثل كثيرات، متضررة نفسياً: «ما زال كنحس بالحكرة، ما نمشيش للسبيطار، ما كاينش الإنسانية». تطالب بالتكوين الأخلاقي والرقابة المهنية حتى لا تتكرر التجارب على الجيل القادم.
حين يُعاد تدوير الأبويّة داخل غرف الفحص والولادة
العنف النسائي والتوليدي لا يقتصر على الولادة فقط. إنه طيف واسع يترك بصمته على حياة النساء داخل المؤسسات الطبية: اليد التي لا تسأل، الموافقة التي تصبح قابلة للتفاوض، الألم الذي يُتجاهل، الحياة الجنسية التي تُخجل وتُجرّم. إنها الممرضة التي تقول: «اصبري، هذا ما خلقت له النساء». موظفة الاستقبال التي تحدد مدة انتظارك لأنك جئت بلا زوج. القانون الذي يسلبك جسدك.
تعرّف الحركات النسوية العنف النسائي والتوليدي على أنه مجموعة من الممارسات الضارة خلال الرعاية النسائية والتوليدية: العنف الجسدي (ضرب، تعامل خشن، صفع، قرص)، الاعتداء الجنسي من طرف العاملين الصحيين، الإهانات اللفظية (الصراخ، الشتائم، الإذلال، لغة تمييزية أو متحيزة جنسياً)، الإجراءات الطبية بدون موافقة مستنيرة، الإهمال والتأخير، والتدخلات غير الضرورية. غالباً ما يتم تجاهلها أو التقليل من شأنها، لكنها تقطع بحق الصحة، الحياة، الكرامة، وسلامة الجسد.
التسلسلات الهرمية الطبية تقلل من ألم النساء، تشكك في رواياتهن، وتضعهن في مرتبة أقل استحقاقاً للرعاية. هذه الانتهاكات تقع عند تقاطع العنف المبني على النوع الاجتماعي (الذي يستهدف النساء لأنهن نساء) والعنف المؤسسي (الذي ينشأ عن السلطة الهيكلية داخل الأنظمة القائمة). إنه ظلم جندري وأزمة صحية عامة في آن واحد. كما تشير الباحثة القانونية النسوية ماري-هيلين لاهاي: «جسد المرأة الحامل أو المتلقية للرعاية لا يُنظر إليه كجسدها، بل كأداة تحت تصرف الطب».
الهياكل الأبوية داخل النظام الصحي والمجتمع تُكرّس هذا الضرر، إذ يُمارس التحكم في أجساد النساء من قبل الأنظمة والمؤسسات والأفراد. الوصمة المرتبطة بالجنس، والتجريم الصريح (العلاقات خارج الزواج، العلاقات المثلية، الإجهاض)، تقع بشكل أعنف على الفئات المهمشة مثل النساء العازبات، النساء ذوات الإعاقات، النساء المصابات بفيروس نقص المناعة، ونساء مجتمع LBTQ+. الفروقات الاجتماعية والاقتصادية الحادة بين الرعاية الخاصة والعامة، وبين المدن والريف، تجعل النساء والفتيات خارج المدن وفي الأحياء الفقيرة أكثر عرضة لسوء المعاملة، العنف، وأحياناً الموت.
تتقاطع أشكال القمع لتضاعف من هشاشة المرأة؛ فالوصول إلى الرعاية يصبح تجربة صادمة مليئة بالتمييز. الاعتراف بهذا العنف أمر بالغ الأهمية لأن آثاره عميقة: صدمات نفسية، آلام مزمنة، اضطراب علاقة الأم بالمولود، تجنب طويل الأمد للرعاية النسائية، وفقدان الثقة بالمؤسسات الصحية.
ي المغرب، يُسمح بالإجهاض الطبي تحت إشراف أطقم صحية فقط عندما تكون حياة الأم المتزوجة مهدَّدة، وفقط بعد حصولها على موافقة زوجها. أمّا حالات الحمل غير المرغوب فيه خارج الزواج فتصطدم بالفصل 490 الذي يجرّم النساء بدل حمايتهن. يُقدَّر أن 72% من عمليات الإجهاض في المغرب غير آمنة. يمنح النظام القانوني الحق في الإجهاض فقط في “الظروف المقبولة أخلاقياً”، بينما يهمّشه كحق من حقوق الصحة الإنجابية. وغالباً ما تفشل عمليات الإجهاض غير الطبية، فتخلّف نسباً مرتفعة من وفيات الأمهات. العواقب مكتوبة بالدم والأرقام.
نشرت منظمة الصحة العالمية دراسة تُظهر أن أكثر من ثلث النساء في أربع دول منخفضة الدخل تعرّضن لسوء المعاملة أثناء الولادة داخل المؤسسات الصحية. النساء الأصغر سناً والأقل تعليماً كنّ الأكثر عرضة للاستهداف، بما يشمل: العنف الجسدي واللفظي، الوصم والتمييز، الإجراءات الطبية دون موافقة، استخدام القوة أثناء التدخلات، والإهمال أو التخلي الكامل من قبل الطاقم الطبي.
الفوارق البنيوية بين خدمات الصحة في المدن والقرى تزيد من معاناة النساء والمواليد، خصوصاً النساء الواقعات أصلاً في الهامش:
«المغرب يسير بسرعات متعددة. في طرف، تحصل المريضات في القطاع الخاص على متابعة مكثفة ومفرطة، بعض المصحات تسجّل نسب قيصرية تصل إلى 80–90٪. لكن القيصرية جراحة كبرى، لا يجب أن تصبح إجراءً روتينياً. وفي الطرف الآخر، لا تُجرى القيصريات الضرورية في المناطق القروية. تلد النساء في مراكز صحية بسيطة، وعندما تحدث المضاعفات، تتعطل التحويلات نحو المستشفيات الإقليمية أو الجهوية أو الـCHU: لا إسعاف، لا وقود، لا مال. وسمعتُ حتى أن بعض الجماعات لا تمنح سيارة الإسعاف إذا كان انتماء الزوج السياسي من ‘الجهة الأخرى’. نحن نتحدث عن رعاية تحدد الحياة أو الموت. يجب أن تستفيد كل امرأة من نظام تحويل مجاني وموثوق لتفادي وفيات الأمهات والمواليد.» يشرح الدكتور لهنة.
قد يُطرح السؤال: أين هي المعطيات؟ البحث حول العنف التوليدي والنسائي في المغرب نادر، ومقصيّ من سياسات الصحة العامة ومن الأجندة العلمية. هذا الصمت ليس حيادياً؛ إنه علامة على مدى تهميش صحة النساء وقضاياهن. والصمت ليس فراغاً. إنه مزدحم بالقصص الخاصة، بالتجارب اليومية التي تُحكى في السر، بالندوب غير المرئية التي لا تدخل الاستبيانات.
الكرامة أولاً: مستشفيات تحمي ، لا تُهين
حين يفشل النظام الصحي، فإن أول من يدفع الثمن هنّ النساء وخاصة اللواتي دُفعن أصلاً إلى الهامش. تبدأ الرعاية المحترمة من مبدأ بسيط: الكرامة والموافقة ليستا خياراً إضافياً، بل حقّاً أساسياً.
توصي منظمة الصحة العالمية بربط رعاية الأمومة المحترمة بثلاث ركائز: المحاسبة، والموارد، والحقوق. يجب أن تكون الأنظمة الصحية مسؤولة عن أي إساءة، وأن تتوفر على التمويل الكافي لضمان رعاية جيدة ومجانية يمكن الوصول إليها، وأن تُوجَّه بسياسات واضحة تحمي حقوق النساء، مع تدريب العاملين الصحيين وتهيئة الظروف التي تسمح لهم بتقديم الرعاية القائمة على الاحترام والرحمة.
هذا يعني عملياً إعادة تصميم أقسام الولادة بما يراعي احتياجات النساء: الخصوصية، الستائر أو الأبواب، ومساحة لوجود المرافِقة أو المرافق الذي تختاره المرأة طوال المخاض والولادة؛ تعزيز الموافقة المستنيرة في كل تدخل طبي، مع شروحات بلغة بسيطة (بالدارجة أو الأمازيغية عند الحاجة)، وإمكانية سحب الموافقة في أي لحظة؛ ثم الإشراف والدعم الميداني حتى تتمكن القابلات وفِرق التوليد من تقديم رعاية إنسانية، مبنية على الدليل العلمي وليس العنف أو العادة.
كما يعني ذلك بناء طلب اجتماعي على خدمات تتمحور حول النساء، وترفض أي شكل من أشكال الإساءة. وتحمّل الهيئات المهنية—القابلات، أطباء النساء والتوليد، الممرضين مسؤولية الترويج للرعاية المحترمة، حماية حقوق مقدّمي الرعاية، ورصد حالات سوء المعاملة والإبلاغ عنها لضمان حلول مناسبة محلياً.
ويجب أن تكون الحماية جزءاً من بنية النظام: آليات شكايات مستقلة وآمنة، داخل المستشفيات وخارجها، تضمن حماية المبلّغات والمبلّغين من الانتقام، وقرارات مكتوبة تؤدي فعلياً إلى إجراءات تصحيحية.
ولا يمكن للمحاسبة أن تنتهي عند لوم قابلة واحدة بينما تبقى البنية التي سمحت بالعنف كما هي. إصلاح هذا الوضع مسألة حكامة وأولويات في الإنفاق. فلا بد من استعادة ثقة الناس في المستشفى العمومي: بنايات نظيفة ومضيافة، رعاية موثوقة، تتبع مبكر للحمل، فحوصات روتينية، وقاية، وعلاج في الوقت المناسب، كما يشرح الدكتور لهنة.
لكن البنية وحدها لا تُنقذ الأرواح. “الاستثمار في الموارد البشرية ” ضروري : توزيع عادل للقابلات، تدريب حقيقي وتحفيزات، مستويات آمنة للموظفين، وأجور لائقة تضمن تغطية المداومة، وتمنع الاحتراق الوظيفي الذي ينهش الخدمات. كما يجب محاربة الفساد و” التاسمسارت” “ التي تفرض ضريبة إضافية على النساء الفقيرات عند باب المستشفى.
يقول الدكتور لهنة: “النساء المقتدرات يلجأن إلى القطاع الخاص، أما الفقيرات، القرويات، غير المتعلمات فلا يمكنهن ذلك، لهذا يجب على النظام أن يحميهن. المجتمع يُقاس بكيفية تعامله مع الأضعف. هذه مسألة مستقبلنا الجماعي. النساء عمود المجتمع، وإذا أسأنا إليهن، فإننا نهدم المجتمع نفسه.”
الوقاية يجب أن تتجاوز أسوار المستشفيات: تربية جنسية شاملة للأطفال والمراهقين، وتغييرات قانونية أساسية تضمن أن تُكتب الموافقة، وحرمة الجسد، والحقوق الإنجابية بوصفها حقوقاً للجميع.
وفي النهاية، إن إنهاء العنف النسائي والتوليدي يعني تغيير ما نؤمن به حول استقلالية النساء وأجسادهن: أن لهنّ الحق في العيش دون عنف، وقبل ذلك الحق في تشكيل حياتهن واتخاذ قراراتهن بأنفسهن.
على المستشفيات المغربية أن تتوقف عن إعادة إنتاج السلطة الأبوية… وأن تلتزم برعاية صحية شاملة تضمن الكرامة.
“هذه مقبرة، ليس مستشفى.”
وإلى أن لا تضطر امرأة لقول هذه الجملة مرة أخرى، فإن الإصلاح ليس ترفاً بل حالة طوارئ.
سناء الوازن
هذا مقتطف مترجم من النص الإنجليزي الكامل
ترجمة إلى العربية: ايمان بلامين
| Ce texte a été réalisé dans le cadre de la session Storytelling pour l’égalité entre femmes et hommes, avec le soutien de l’Institut français du Maroc. À lire aussi sur Enass.ma. | ![]() |









