بين سندان الغربة ومطرقة الفقد: وجع مهاجر
اتصالات لا تنسى
تورونتو لا تنام بالمعنى الحقيقي للكلمة. لكنها، في الساعات المتأخرة التي تعقب منتصف الليل، تنسحب إلى شيء يشبه الصمت الثقيل؛ ذلك النوع من الصمت الذي لا يُريح، بل يُثقل.

في أزقة الأحياء السكنية ذات المنازل الصغيرة والمنخفضة وقليلة تكلفة نسبيا التي يعيش فيها المهاجرون ــ إذ تتراوح تكلفة استئجار شقة صغيرة حوالي ألف إلى ألفي دولار كندي شهرياً في كثير من الأحيان ــ يسكن المرء وحيداً في مواجهة نفسه ومواجهة بعد المسافة.

في سكون ليل هذه المدينة التي لا ترحم، حيث يتجمد المدى وتصبح الجغرافيا عبئاً ثقيلاً، اهتزّ هاتف « حسن ». لم يكن مجرد رنين؛ كان زلزالاً صامتاً يحطم رتابة حياة المهاجر المبرمجة على إيقاع العمل والوحدة.

على شاشة الهاتف، ومضت أسماء أفراد العائلة توالي، اتصل حسن بالأم ليسمع الصوت المنهك الذي نقل الفاجعة الأولى: « حسن.. الله يصبرك، الحاجة فريحة (الجدة) فارقتنا ». لم تمضِ سوى ثماني وعشرين يوماً، كان حسن خلالها يلملم شتات روحه، حتى رنّ الهاتف ثانية في ساعة متأخرة من ليل: « حنان.. (أختك الكبيرة) في ذمة الله ».
« الحْياة وْقْفاتْ، العَقْلْ وْقَفْ… قَلْبِي وْقَفْ واحْدْ الجُزْءْ مِنَ المِيّة إِلَى الثّانِيَة » هكذا يصف اللحظة توصله بخبر وفاة جدته بنبرة تفيض بالذهول الممزوج بالمرارة. في تلك اللحظة، تحولت الغرفة إلى سجن ضيق، وانقطع الخيط الرفيع الذي يربط المهاجر بواقعه الكندي، ليجد نفسه وحيداً في مواجهة عاصفة من الحزن الصامت، عاجزاً حتى عن لمس كفن من أحب. هذا الانكسار الشخصي لم يكن مجرد خبر وفاة، بل كان لحظة « توقف الزمن » التي تعيد طرح السؤال الوجودي: هل تستحق « بلاد التعب » كل هذا الثمن؟
حسن ليس استثناءً في قصة حزنه. هو واحد من مئات الآلاف من المغاربة المنتشرين في كندا والعالم؛ ذلك الجيش الصامت من الأرواح المعلقة بين وطنين. لا أحد يعرف العدد الدقيق للمغاربة في كندا، غير أن التقديرات تتراوح بين مئة وعشرين ومئة وخمسين ألف مقيم، موزعين في غالبيتهم الكبرى بين مونتريال التي تحتضن الجالية الأعرق والأوسع، وتورونتو التي شهدت في السنوات الأخيرة تدفقاً متصاعداً من الوجوه الجديدة الباحثة عن فرصة في سوق العمل الأنجلوسكسوني. غير أن كل مهاجر يحمل في جيبه نسخته الخاصة من الليلة التي تغير فيه كل شيء.
بلد التعب مغلفة بالفيديوهات الوردية
كان حسن يرى كندا من نافذة « يوتيوب » الوردية؛ بلاد المياه الوفيرة، والطبيعة الخلابة، والفرص التي تنتظر الطامحين. لكن « الصورة المتخيلة » انصهرت تماماً لحظة ملامسة قدماه ممر المطار. يقول حسن: « المُهاجِرْ، إنْفُوا كَيْهْبَطْ فْالمْطارْ، كَيْبْدا يْكْتاشْفْ عالَمْ ما عَمّْرُو عاشُو ».لم تعد كندا في نظره تلك الوثائقيات الجميلة، بل تحولت إلى « رقم » يبحث عن مسكن، ويتخبط في تعلم ثقافة البلد، ويحاول فك شفرات لغة إنجليزية جافة لا مكان فيها للعاطفة.

ما تغفله معظم مقاطع « يوتيوب » التي تُزيّن الهجرة بألوان الأمل أن تورونتو صُنِّفت مراراً ضمن أغلى خمس مدن في أمريكا الشمالية من حيث تكاليف الإيجار والمعيشة. المهاجر الجديد يجد نفسه في مواجهة معادلة صعبة: الحد الأدنى للأجور في أونتاريو سبعة عشر دولاراً في الساعة، لكنه في أغلب الأحيان لا يُغطي ثمن غرفة واحدة في حي محتشم، ناهيك عن الطعام والتنقل وتكاليف تجديد الأوراق القانونية التي تتراكم كالثلج. الوافد الجديد يدخل هذا النظام بيد فارغة ورأسمال صفري، بلا تاريخ ائتماني، وبلا شهادات معترف بها في الغالب، وبلا شبكة علاقات تحميه حين تضيق الأحوال.

الصدمة الكبرى لم تكن في الطقس، بل في « اختبار الانتماء » القاسي. فبعد خمسة أيام فقط من حصوله على عمل، طُرد حسن ببرودة تامة. كانت الحجة: « ما نْدْمَجْتِيشْ » (لم تندمج). هذه العبارة تلخص الضغط السوسيولوجي الذي يواجهه المهاجر؛ إذ يُطلب منه « تمثيل » الاندماج الفوري والتحول إلى ترس في الماكينة منذ اللحظة الأولى، وإلا فإنه فائض عن الحاجة. هنا، بدأ حسن يدرك أن الهجرة ليست « حلماً تحقق »، بل هي إعادة تعريف مؤلمة للذات كـ « مكافح » يواجه نظاماً لا يعترف بالبدايات المتعثرة.
الاندماج في مدينة كتورونتو ليس مسألة شخصية فحسب؛ إنه اختبار بنيوي معقد. سوق العمل هناك يتجه بشكل متزايد نحو « الشبكات المغلقة »؛ حيث تلعب شبكة المعارف والعلاقات المهنية دورًا حاسمًا في فرص التوظيف.
الدراسات الكندية المتعلقة بالهجرة تكشف أن المهاجرين يحتاجون في المتوسط ما بين سبع وعشر سنوات حتى يصلوا إلى مستوى الدخل الذي كانوا يتوقعونه قبل الهجرة. سبع سنوات من التكيف والصمت والابتلاع.
وحشية رأسمال في حضرة الفقد
خلف بريق « حقوق الإنسان » في كندا، اصطدم حسن بواقع اقتصادي فجّ يختصره مثل كندي يقول:(No Money, No Honey) « لا مال، لا عسل ». النظام هنا لا يرى في المهاجر إنساناً بقلب وذكريات، بل « رأسمال بشري » يجب أن يظل منتجاً. تمنح القوانين المهاجر يوماً واحداً أو يومين « غير مدفوعي الأجر » عند وفاة أحد أفراد العائلة، بشرط تقديم « البروف » (الدليل) الرسمي الذي يثبت الوفاة.
في مقاطعة أونتاريو تحديداً، يكفل قانون العمل للموظف ثلاثة أيام إجازة حداد غير مدفوعة الأجر في حالات الوفاة من الدرجة الأولى. ثلاثة أيام. مدة كافية ربما لحضور جنازة على بعد ساعتين بالسيارة، لكنها لا تساوي شيئاً أمام رحلة جوية تستغرق عشر ساعات أو أكثر إلى الدار البيضاء أو الرباط. ويبقى المهاجر في المنطقة الرمادية؛ تلك المنطقة التي لا تعترف بها بنود العقد ولا تفهمها لغة الموارد البشرية ولم تستوعبها بعد النقابات العمالية و الجمعيات الحقوقية.
يقول حسن بمرارة: « القانونْ فْكَنَدا واضْحْ… ما كايْناشْ العاطْفَة ». في هذه البيئة، تصبح إنسانية التعامل رهينة « مزاج المدير ». يذكر حسن مفارقة لافتة؛ فبينما كانت الشركة تتشدد في القوانين، كان زميله (وهو رجل أمريكي ألماني الأصل) هو الوحيد الذي أظهر تعاطفاً إنسانياً حقيقياً، حيث طأطأ رأسه بأسى قائلاً: (Sorry bro) « أشعر بالأسف لسماع ذلك يا صديقي« ، في لحظة خرقت جمود « الماكينة ». وبينما يغرق المهاجر في حزنه، يطارده هاجس « الإقامة الدائمة »؛ ذلك الورق الذي يتحكم في مصيره، وينام ويستيقظ على قلقه، خاصة مع تقلبات المزاج السياسي والانتخابات الكندية التي تجعل المهاجر يشعر بأنه يعيش فوق رمال متحركة.
هذا القلق ليس وهماً؛ إنه واقع يومي ملموس. بيانات الهجرة الكندية تُظهر أن عملية الحصول على الإقامة الدائمة تستغرق في أحيان كثيرة سنتين إلى ثلاث سنوات، خلالها يظل المهاجر مقيداً بتصريح عمل مرتبط بصاحب عمل بعينه، أو بشروط محددة تجعله عُرضة للهشاشة القانونية. تغيير العمل أو فقدانه قد يعني المساس بمسار الإقامة. وهكذا يجد المهاجر نفسه في فخ مزدوج: إما الصمت على الأذى والبقاء في مكانه، أو المخاطرة بكل شيء. حين تُضاف إلى هذا كله صدمة فقدان أحد الأهل، يمتزج الحزن بالقلق، ويصبح الحداد عبئاً مُركَّباً لا تستطيع أيام الإجازة الثلاث أن تحتويه.
ما بين الذاكرة والواقع
للهجرة ثمن باهظ يُدفع من « لحم » الروح. بالنسبة لحسن، كانت « حنان » هي الأخت الكبرى، مستودع ذكريات التسعينات، وشريكة الطفولة في الحقول وبين أحضان الطبيعة. يستحضر حسن بوجع يمزق القلب تفصيلاً صغيراً لكنه ثقيل: « الكَسْوَةُ الصَّفْرَاءُ المُزَيَّنَةُ بِالوُرَيْدَاتِ ».يتذكر كيف اشترى الجد من جهة الأب لها ذلك الفستان في العيد وهي طفلة، وكيف كانت ترفض ارتدائه بعناد طفولي جميل. هذه التفاصيل هي ما تجعل الغربة « ظالمة » بتعبير حسن؛ لأنها تسرق من المهاجر اللحظات التي لا تُعوض.

ثمة ما يُسميه علماء النفس المتخصصون في الهجرة بـ »الحداد المُعقَّد »؛ ذلك النوع من الحزن الذي لا يجد له مساراً طبيعياً للمعالجة، لأن المهاجر لم يُودِّع، ولم يلمس، ولم يحضر. هو يعيش الفقدان من بعيد، عبر شاشة أو صوت هاتفي، دون أن يُتاح له أن ينتحب في حضن أمه أو أن يضع يده على قبر من أحب. هذا ما وصفته الباحثة الأمريكية بولين بوس بـ »الخسارة الغامضة »؛ فقدان لا تُعترف به المؤسسات ولا تُؤطره الطقوس الجماعية، فيظل حياً ونازفاً في صدر من فقد دون أن يُمنح فرصة الشفاء.
يعترف حسن بمرارة: « الغُرْبَة عَنْدْها ثَمَنْ، مْنِينْ كَتْدِّي لِيكْ الحْبابْ والعائْلَة… كَتْدِّي لِيكْ كْثَرْ مَا كَتْعْطِيكْ… الغُرْبَة ظْلْمَتْنِي ». لقد وفرت له الهجرة المال ليساعد عائلته، لكنها في المقابل حرمته من « الوداع الأخير ». هذه المفارقة تضع المهاجر في سجن مادي؛ فكلما زادت قدرته على الدعم المادي من بعيد، زادت المسافة التي تمنعه من الحضور الجسدي في لحظات الضعف.
التحويلات المالية التي يُرسلها المغاربة العالم إلى ذويهم تبلغ ما يزيد على تسعة مليارات دولار سنوياً، وفقاً لأرقام بنك المغرب، وهي رقم يتجاوز في سنوات كثيرة عائدات السياحة. لكن هذه الأرقام الباردة لا تحكي الثمن الذي يدفعه الإنسان لتحصيلها؛ تلك الليالي المفتوحة على القلق، وحسابات النهاية الشهر المُضنية، والقرارات المُرة بين إرسال المزيد أو الاحتفاظ بما يكفي. حسن يرسل ويحتفظ بما يكفيه، وبينهما يعيش على الحافة.
توثيق العجز

عندما حانت لحظة الوداع، لم يكن أمام حسن سوى شاشة هاتف. شاهد وجه أخته « حنان » لآخر مرة عبر مكالمة فيديو أجراها مع شقيقه أحمد. وتابع مراسم الدفن وهو يرى التراب يُهال على جسدها، ويقف مكتوف اليدين في « تورونتو » متحرق لحمل جسد أخته للمرة الأخيرة ووضعه في لحد ليكمل آخر واجب تجاهها، يعبر عن ذلك بقوله إن « إكرام الميت دفنه »، لكن العجز كان سيد الموقف بسبب غلاء التذاكر الخيالي الذي فاقمه اضطراب رحلات الطيران والأزمات العالمية وضبابية الوضعية القانونية، كلها أسباب حرمته من واجبه الأخير.
تذكرة الطيران بين تورونتو والدار البيضاء لا تنزل في الأوقات العادية عن ألف دولار كندي، وحين تداهم المرء الأخبار فجأة في منتصف الليل ويحتاج إلى السفر في أقل من يومين، يتضاعف الثمن ليصبح حلماً مُؤجلاً. وهنا يتضح كيف تتقاطع الهشاشة المالية مع الهشاشة العاطفية لتُنتج هذا النوع المُحدد من العجز؛ عجز الوداع.
هذه « الجنازة الرقمية » لم تكن جسراً، بل كانت جرحاً إضافياً يجسد عجز الجغرافيا. يصف حسن شعوره بالضياع في « متاهة مظلمة »، حيث الصمت في « تورونتو » يطبق على الأنفاس. فبخلاف مدينة « مونتريال » التي تتمتع بمجتمع مغربي شبه متجانس، يشعر المهاجر في « تورونتو » بأنه فرد مشتت في محيط أنجلوساكسوني بارد. التكنولوجيا هنا لم تعوض « الحضور الجسدي »، بل كانت مجرد أداة لتوثيق العجز وتعميق الإحساس بالوحدة في « بلاد التعب ».
الفارق بين مونتريال وتورونتو في تجربة المهاجر المغربي ليس فارقاً جغرافياً فحسب؛ إنه فارق وجداني عميق. في مونتريال، يجد المهاجر المغربي لغةً مشتركة في الفرنسية، ومساجد تعج بوجوه مألوفة، ومقاهي فيها من يفهم النكتة ذاتها ويضحك في اللحظة ذاتها. في تورونتو، ثمة تنوع هائل ظاهر للعيان، لكنه تنوع لا يُدفئ؛ كل مجتمع يعيش داخل حدوده غير المرئية، ويُغذّي عزلته بنفسه. المهاجر المغربي الجديد في تورونتو يبدأ من الصفر في كل شيء: في الإنجليزية، في الشبكة الاجتماعية، في الهوية…
أهمية العزاء
في ظل جفاء هذا النظام الإجتماعي و النسق الثقافي والمجال الجغرافي يجد المهاجر المسلم عزائه في آيات من القرآن الكريم والأحاديث النبوية وطريقة تمثله للدين، يعبر عن ذلك حسن بقوله: « الجانب الديني يخفف المعاناة على المهاجر ».

يحكي حسن عن حاجة المهاجر إلى المواساة والعزاء حيث يحدثنا عن لحظة فقد فيها شعوره بعد أن رأى صديق له متواجد مباشرة على موقع التواصل الإجتماعي ولم يعزيه، فتوجه له بسؤال مباشر: « واشْ كايْنْ شِي مُشْكِلْ، وْنْتااا قُولْ غِيرْ البَراكَة فْراسْكْ… (هل يوجد أي مشكل على الأقل قل « البراكة فراسك ») ليرد عليه صديقه بالقول: « ما قْدَرْتْش نْعَزِّيكْ حتّى نْسُولْ، لا يْكُونُوا مُخَبِّينْها عليكْ » (لم أستطع تعزيتك خوف من أن يكون متسترين على الخبر) ثم يتابع حسن حديثه عن أهمية العزاء خصوصا من المعارف والأصدقاء في بلد الأصل معتبرا ذلك عاملا مؤثرا جدا في تخفيف عن شعور المهاجر بالحزن، بالنسبة لحسن العزاء يمثل فلسفة في تقاسم الحزن وتخفيف من هول الفاجعة.
المهاجر في عيون الدولة
يتجلى الاغتراب السياسي في نقد حسن اللاذع لتعامل الدولة والقنصلية مع المهاجرين. يروي كيف يضطر المهاجر لدفع 300 دولار للإرسال « وكالة » ورقية بسيطة عبر البريد، في عصر يتحدث فيه العالم عن « الرقمنة ». يرى حسن أن الدولة المغربية تختزل 7 ملايين مهاجر في صورتين فقط: « عملية مرحبا والتحويلات المالية ».

سبعة ملايين مغربي في الخارج؛ هذا الرقم الذي يقوله المسؤولون أحياناً بفخر، يتحول في أحيان أخرى إلى رقم حسابي يُقاس بالمليارات التي تُحوَّل. منذ عقود، يُستقبل هؤلاء صيفاً في « عملية مرحبا » بلافتات الترحيب وخدمات الطريق، ثم يعودون إلى بلدان الاغتراب وكأن العلاقة لم تكن أكثر من موسم. لا صوت سياسي حقيقي فاعل، لا خدمات قنصلية مُرقمَنة تُريحهم من عناء الطوابير والرسوم، لا حضور مؤسسي يشعرهم بأنهم مواطنون لا مجرد مُحوِّلين ماليين.
يتساءل بحرقة عن غياب « التمثيلية البرلمانية » وحق التصويت للمغاربة المقيمين في الخارج: « لماذا نُعامل كصراف آلي ولا نُعامل كمواطنين لنا صوت سياسي؟ ». هذا الشعور بالإقصاء يحول العلاقة مع الوطن إلى علاقة نفعية أحادية الجانب، تزيد من اغتراب المهاجر الذي يرى نفسه « عملة صعبة » في عيون المسؤولين، بينما هو في الحقيقة إنسان يتصارع وحيداً في مواجهة قوانين الهجرة والعمل القاسية.
المشهد الذي يصفه حسن يحيل إلى نقاشات قائمة منذ سنوات في الأوساط الحقوقية المغربية. صحيح أن الدستور المغربي لعام 2011 أقرّ بتمثيل مغاربة العالم وأنشأ مجلساً استشارياً معنياً بشؤون الجالية، غير أن الأثر الفعلي لهذه الآليات ظل محدوداً في نظر كثير من المهاجرين. ليبقى الإحساس راسخاً بأن الاهتمام بالمهاجر يشتد حين يُحوِّل، ويخفت حين يُطالب.
الدار الخاوية
تنتهي حكاية حسن بتأمل فلسفي عميق حول « الدار الخاوية » في المغرب؛ تلك الدار التي كانت تضج بالحياة، وبالحيوانات، ثم فجأة سكنها شيء من الغبار والصمت برحيل « الحاجة فريحة » و »الأخت حنان » وفراغ الإسطبلات جراء الوضع الفلاحي الصعب. هذا الفراغ الجغرافي في الوطن يقابله إصرار وجودي في الغربة.

يختم حسن حديثه بكلمات تلخص فلسفته في البقاء: « الغربة هي حكمة الله في خلقه ».
بالنسبة لحسن، الهجرة لم تعد « حلماً »، بل أصبحت « قدراً » يجب المضي فيه حتى النهاية. الإصرار هو القيمة العليا التي تمنحه القوة لمواصلة العمل في آلة « تورونتو » الباردة، رغم أن قلبه لا يزال عالقاً في فستان أصفر « بوردات » ملونة لم تلبسه أخته قط. يبقى السؤال معلقاً في هواء الغربة: هل الوطن هو المكان الذي نحيا فيه، أم هو المكان الذي يدفن فيه أحباؤنا وجزءٌ من أرواحنا معهم؟ في حالة حسن، الوطن هو « الذاكرة » التي يصر على حملها، احتراماً لذكرى الراحلين وصموداً في وجه « بلاد التعب ».
ولعل في قصة حسن ما يمثّل حالاتٍ لا تُحصى ولا تُعدّ؛ كل تلك الليالي المتشابهة في شقق الغرباء، حين يتحول الهاتف إلى كابوس وإلى خيط واهٍ بالحياة في آنٍ واحد. المهاجر المغربي في كندا، كما في سائر بلاد الشتات والتعب، يحمل وطنه في روحه لا في جواز سفره. وحين يرحل من يُحب، لا يجد مكاناً يبكي فيه بالشكل الكافي: لا عزاء جماعي، لا أيدي تربت على الكتف، لا صمت مشترك يُخفف من ثقل الغياب. فقط الغرفة الباردة، والشاشة المنطفئة، والسؤال الذي لا جواب له: هل تستحق بلاد التعب كل هذا؟ ربما الإجابة عند حسن أنه لا خيار آخر، يعبر عن ذلك بقوله « بْلادِي بْلادِي، mais (وَلَكِنْ) مَا كايْنَاشْ الفُرَصْ فْبْلادِي، باشْ نْكُونُو واضْحِين« . وربما الحقيقة تسكن في المنتصف، في تلك المنطقة الرمادية التي يحتل فيها الإصرار مكان اليقين، والذاكرة مكان الوطن.
بقلم: علي رمادي
![]() |
علي رمادي، طالب بسلك الماستر، تخصص «المغرب والهجرة الدولية: تاريخ وتنمية»، ومدافع عن حقوق الإنسان إلى جانب منظمة العفو الدولية وغيرها |
| Ce texte a été réalisé dans le cadre de la session Storytelling pour les migrations, avec le soutien de l’Institut français du Maroc. À lire aussi sur Enass.ma. | ![]() |








