بطاقة إقامة بلا « عنوان ».. الوجه الخفي للتمييز العقاري ضد المهاجرين النظاميين بطنجة

لم يعد الملف البلاستيكي الأزرق الذي يحمله الشاب السنغالي « موسى » (28 عاما) مجرد حافظة لأوراقه الرسمية، بل تحول إلى شاهد صامت على خيبة أمل تتكرر يوميا في أزقة مدينة طنجة، ففي كل مرة يتأمل فيها هذا الشاب بطاقة إقامته السارية، وعقد عمله كمسؤول بإحدى مراكز الاتصال، وكشوفاته البنكية التي تثبت انتظام دخله، يبتلع مرارة مفارقة قاسية؛ فكل هذه الضمانات التي تكفل له نظريا استقرارا آمنا، تتبخر بمجرد وقوفه أمام عتبة شقة للإيجار.
كل ما كان يبحث عنه موسى هو سكن لائق في حي « مسنانة » القريب نسبيا من عمله، بسومة لا تتجاوز 2500 درهم، معتمدا على رزمة من الضمانات التي اعتبرها كافية لتبديد أي مخاوف، غير أن حساباته اصطدمت بواقع لا يعترف بالحبر والأختام.
يستحضر الشاب بمرارة تفاصيل لقائه الأخير بوسيط عقاري يدعى « سي لحسن »، وكيف تبددت ملامح الاستغراب الإيجابي للسمسار – الذي توقع من خلال لكنة موسى الدارجة المتقنة عبر الهاتف أنه مغربي – لتتحول إلى حرج وتبريرات بمجرد اللقاء المباشر.
يتذكر موسى كيف وضع أوراقه على الطاولة، وكيف انتهى به الأمر مستمعا لمكالمة هاتفية حطمت آماله، فالمالك الذي تواصل معه السمسار، اختزل سيرة الشاب المهنية ووضعه القانوني السليم في عبارة قاطعة ترفض تأجيره، متذرعا بتجربة سابقة « سيئة » مع مكتريين من دول إفريقيا جنوب الصحراء، حولوا شقته إلى مرقد جماعي لثمانية أشخاص وخلفوا وراءهم أضرارا مادية وتأخرا في دفع المستحقات.
يتحدث موسى وهو يحكم إغلاق حقيبته، بنبرة هادئة تعكس وعيه بحقوقه: « أنا أمتلك راتبا منتظما وعقدا قانونيا، وأعيش وحدي حاليا.. هل أصبح لون بشرتي أو جنسيتي هو كل ما يراه الآخرون في؟ لماذا يجب أن أدفع ثمن أخطاء أشخاص لا أعرفهم، لمجرد أننا نتقاسم الانتماء لنفس القارة؟ ».
في صوته غصة واضحة تجسد مأساة فئة واسعة من المهاجرين النظاميين، شباب وجدوا أنفسهم عالقين في مسافة نفسية واجتماعية قاتلة، بين مطرقة « أزمة ثقة » يتذرع بها الملاك لحماية ممتلكاتهم من مخاطر محتملة، وسندان ممارسات تتحول في الواقع العملي إلى جدار صلب من « التمييز العقاري »، يصادر حقهم في السكن ويجعل من الحصول على مفتاح شقة، مهمة أشق بكثير من الحصول على أوراق الإقامة نفسها.
ضريبة القبول
وإذا كان « موسى » قد واجه رفضا قاطعا، فإن مهاجرين آخرين يواجهون نوعا مختلفا من العراقيل في بحثهم عن سكن بعاصمة البوغاز، في هذه الحالات، لا يرفض طلب التأجير بشكل مباشر، بل تفرض شروط مالية إضافية يبررها الملاك بالرغبة في حماية عقاراتهم، بينما يراها المكترون شروطا مجحفة.
ففي حي « بوخالف » القريب من المركب الجامعي، عاشت « فاطو » (22 عاما)، وهي طالبة إيفوارية، هذا الوضع، حيث قررت الشابة اللجوء إلى « السكن المشترك » رفقة طالبتين لتخفيف مصاريف الإيجار، وبعد مدة من البحث، عثرن على شقة تناسب احتياجاتهن، لكن المفاوضات أخذت مسارا آخر.
>فرغم أن السومة الكرائية المتعارف عليها لمثل هذه الشقق في الحي تبلغ حوالي 2000 درهم، اشترط المالك مبلغ 2800 درهم شهريا، مع إلزام الطالبات بدفع تسبيق مالي يغطي ثلاثة أشهر، وهو شرط قد لا يطلب عادة من الطلبة المغاربة في نفس الحي، حيث يكتفى في الغالب بتسبيق شهر واحد.
وتدرك « فاطو » جيدا المبررات التي تساق لتمرير هذا التمييز المالي، وتوضح ذلك قائلة: « السماسرة والملاك لا يخفون تخوفاتهم؛ فهم يواجهوننا دائما بأحكام مسبقة، ويعتقدون أننا كطلبة من إفريقيا جنوب الصحراء نميل للعيش في تجمعات كبرى واستقبال ضيوف كثر، مما سيعرض شققهم لاستهلاك مفرط للماء والكهرباء وإزعاج للجيران، وبناء على هذه الصورة النمطية، يفرضون علينا هذا الفارق المالي كضمانة لتغطية أي إصلاحات محتملة ».
وتتساءل الشابة الإيفوارية عن هذا التناقض قائلة: « إذا كان الملاك خائفين فعلا على شققهم من التلف والاكتظاظ كما يدعون، فلماذا يتبخر هذا الخوف بمجرد أن ندفع أكثر؟ هذا يثبت أن المسألة ليست حماية للعقار، بل استغلال لقلة خياراتنا، فهم يحولون التمييز إلى تجارة مربحة، ونحن من يمولها من منحنا الدراسية ».
ورغم هذا الوعي الواضح بحجم الاستغلال، لم تكن رفاهية الرفض أو البحث عن بدائل أرحم متاحة أمام « فاطو » وزميلتيها، فبعد أسابيع من البحث المنهك، وأمام محدودية العرض واقتراب فترة الدخول الجامعي التي تتطلب استقرارا ذهنيا ومكانيا، وجدت الطالبات أنفسهن مجبرات على الرضوخ للأمر الواقع والموافقة على هذه الشروط، في خطوة أثرت بشكل مباشر وقاس على ميزانيتهن المعتمدة أساسا على مساعدة أسرهن وما يتوصلن به من دعم.
أرقام تدحض الهواجس
وبلغة الأرقام، لم تعد تجارب « موسى » و »فاطو » مجرد حالات فردية معزولة، بل هي انعكاس لواقع ديموغرافي واقتصادي جديد كشفت عنه نتائج الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024، فقد تحولت دول إفريقيا جنوب الصحراء إلى المصدر الأول للأجانب المقيمين بالمغرب بنسبة تناهز 60 في المائة، تتصدرها الجنسيتان السنغالية والإيفوارية.
وتؤكد المعطيات الرسمية أن تواجد هؤلاء المهاجرين مبني على أسس متينة؛ إذ صرح 53.3 في المائة منهم أنهم قدموا لأسباب تتعلق بالعمل، بينما تشكل الدراسة دافعا لـ 14 في المائة منهم. وحسب خلاصات التقرير، فإن هذه المؤشرات تعكس انتقالا واضحا من نمط « الهجرة العابرة » إلى مسارات إقامة طويلة الأمد، قوامها الارتباط بسوق الشغل والمؤسسات الجامعية.
وأمام هذا المعطى الديموغرافي، أصبح العثور على سكن هو التحدي الأكبر الذي يواجه المهاجرين لاختبار اندماجهم الفعلي، فالأرقام الرسمية تؤكد أنهم الفئة الأكثر حاجة وارتباطا بسوق الكراء؛ إذ تعيش أغلبية الأسر الأجنبية (57.9 في المائة) في شقق سكنية. وما يزيد من تعقيد موقفهم ويجعلهم الطرف الأضعف في هذه المعادلة، هو أن الأسر المكونة بالكامل من أجانب تعتمد على الإيجار بنسبة ساحقة تصل إلى 75.9 في المائة، مما يضعهم مباشرة تحت رحمة الملاك وشروطهم.
وتكتسي هذه الأرقام أهمية بالغة لكونها تدحض أبرز الهواجس التي تتخذ كذريعة لفرض « قوانين إيجار موازية »، ففي مقابل « فوبيا الاكتظاظ » التي يتحجج بها الملاك لرفع السومة الكرائية، تكشف المندوبية السامية للتخطيط أن النمط السكني الأكثر انتشارا بين الأجانب هو « العيش الفردي » بنسبة 36.7 في المائة، بينما يمثل السكن المشترك 30 في المائة كشكل من أشكال التضامن، كما أن الهواجس المرتبطة بالتخلف عن الدفع تسقط أمام انخفاض نسبة البطالة (4.6 في المائة) والاندماج المهني العالي للمهاجرين، حيث يشتغل أكثر من 65 في المائة من النشيطين كأجراء في القطاع الخاص.
محاولة « إثبات المستحيل«
وفي ظل هذا التناقض الصارخ بين أرقام رسمية تثبت الاندماج الاقتصادي للمهاجرين، وواقع ميداني يخضعهم لإقصاء أو استنزاف مالي يضيق الخناق عليهم، تتجلى معالم معضلة تتجاوز الحالات الفردية لتسائل صرامة القوانين المنظمة للإيجار، ففي هذه المسافة الرمادية يختلط حق المالك في الاطمئنان على عقاره، بنزعات تمييزية تستهدف الفئة الأكثر هشاشة، مستغلة غياب آليات واضحة تضمن للمهاجر حقه في السكن دون أن يضطر لشراء « ثقة المالك » بأثمان مضاعفة.
وفي تفكيكه لهذه التعقيدات، يضع الأستاذ عمر قندو، المحامي وعضو هيئة طنجة، يده على ما يصفه بـ »منطقة ظل تشريعية »، إذ يرى أن هذا الملف يتجاوز كونه مجرد نزاع مدني بسيط، ليتقاطع مع مفاهيم كبرى تتأرجح بين « قدسية حق الملكية » و »المبادئ الدستورية لحظر التمييز »، وصولا إلى الإكراهات التي يفرضها « قانون الأجانب ».
واستحضارا لحالة « موسى »، يوضح الأستاذ قندو أن قانون الالتزامات والعقود بالمغرب يمنح المالك حرية اختيار المكتري بناء على معيار « الملاءة المالية » و »الثقة الشخصية. غير أنه يستدرك بحزم بأن هذه الحرية « ليست شيكاً على بياض يبيح ممارسة الإقصاء العنصري »، فمتى استند الرفض إلى اللون أو الجنسية، تحول التصرف من ممارسة لحرية التعاقد إلى « تعسف »، بل ويرقى بموجب القانون الجنائي (الفصل 1-431) إلى « جريمة تمييز » مكتملة الأركان.
ومع ذلك، يصطدم تفعيل هذه الترسانة القانونية بما يسميه المحامي بـ »الإثبات المستحيل »، فالملاك غالبا ما يتسترون خلف مبررات جاهزة من قبيل « سبق كراء المحل »، بينما يحجم الوسطاء العقاريون عن الشهادة ضد من يعتبرونهم مصدر رزقهم الدائم، وأمام هذا المأزق الذي تنتهي فيه الشكايات عادة بالحفظ، يدعو الخبير القانوني إلى تفعيل « قرائن التمييز » قضائيا، مثل آلية المقارنة أو المعاينة عبر مفوض قضائي، لتطويق هذا التحايل.
وفي قراءته للشروط المالية المرتفعة التي واجهت « فاطو »، يفكك الأستاذ قندو « سيكولوجية الخوف » لدى الملاك، مميزا بدقة بين « الضمانة » (Caution) التي يقيدها القانون في حدود شهرين لتغطية الأضرار، وبين ما يفرضه الملاك كـ »أداء مسبق لوجيبة الكراء »، والذي يندرج ضمن « الحرية التعاقدية ».
>ولا يعتبر المحامي هذا التسبيق تمييزا في حد ذاته، بل يراه « إفرازا طبيعيا لواقع عقاري يتسم بضعف الثقة، فالملاك، حسب قراءته، ينظرون للمهاجر كـ »ذمة مالية رحالة » يصعب تتبعها قضائياً في حال مغادرته التراب الوطني، وأمام بطء مساطر الإفراغ التي قد تستغرق سنوات، يصبح فرض تسبيقات لعدة أشهر بمثابة « صمام أمان » استباقي يضمن للمالك حماية حقوقه المالية.
أما الوجه الأكثر خطورة في هذا الملف، فيتجلى في التداعيات الإدارية المترتبة عن التهرب من توثيق العقود، فبعض الملاك، سعيا للتهرب الضريبي أو لضمان سهولة الإفراغ، يفرضون « التعاقد الشفوي » كأمر واقع، محولين العلاقة الكرائية إلى ما يشبه « سجنا بلا قضبان ».
ويفسر الأستاذ قندو أن قانون إقامة الأجانب (02.03) يشترط إدلاء المهاجر النظامي بـ »عقد كراء موثق » لتجديد بطاقة إقامته، وامتناع المالك عن توثيق العقد يدفع المهاجر قسرا نحو « اللانظامية الإدارية »، ليجد نفسه، رغم انتظامه في دفع الإيجار، مهددا بـ »الإبعاد أو الترحيل ». هذا الفراغ، يضيف المحامي، يمنح المالك سلطة مطلقة لممارسة « ابتزاز عقاري بشع »، حيث يضطر المهاجر للقبول بأي شروط مجحفة مقابل صمت المالك عن تواجده بالشقة.
ولتجاوز هذه المعركة الاستنزافية بين توجس الملاك وهشاشة الوافدين، يقترح الخبير القانوني حلا يوفق بين « الأمن القانوني للمكتري » و »الأمان المالي للمكري »، ويتلخص في تضمين « الشرط الفاسخ الصريح » داخل عقد كراء موثق.
>هذه الآلية القانونية، وفق قندو، تنقل النزاع من منازعة موضوعية طويلة الأمد إلى واقعة يعاينها قاضي المستعجلات، مما يمكن المالك من استرداد عقاره في أسابيع قليلة بمجرد ثبوت إخلال المكتري بالتزاماته، وهو إجراء قادر على تبديد مخاوف الملاك وإغنائهم عن فرض شروط تعجيزية، مع ضمان حصول المهاجر على عقد مكتوب يحمي إقامته القانونية، مما ينقل سوق العقار من منطق « التخوف والتمييز » إلى « الوضوح والتعاقد ».
>« الطريق إلى « الغيتو
وإذا كانت المقاربة القانونية قد كشفت عن الفخ الإجرائي الذي يعقد ولوج المهاجرين لسوق العقار، فإن جذور هذا الرفض تمتد أعمق لتستقر في البنية الذهنية والثقافية للمجتمع، فالمشكلة لا تقتصر فقط على غياب النصوص، بل تتجاوزها إلى طبيعة النظرة التي يحملها المالك تجاه هذا « الوافد الجديد ».
ويرى الدكتور سفيان لشهب، الباحث في علم الاجتماع، أن الظاهرة محكومة بعملية « تنميط اجتماعي » قاسية، يختزل فيها المهاجر في صورة منزوعة القيمة تبنى أساسا على العرق أو اللون. ففي المخيال الشعبي، لا ينظر للوافد كفرد مستقل يتحمل مسؤوليته، بل كعضو في « جماعة نمطية »، مما يجعل أي تجربة سلبية سابقة للمالك تتحول إلى « وصمة جمعية » تبرر معاقبة مهاجر منضبط بجريرة أخطاء غيره.
وتتجاوز هذه الممارسات حدود « أزمة الثقة » لتسقط في فخ « الإقصاء الهوياتي » بمجرد توفر الضمانات القانونية والمادية. ويوضح الخبير السوسيولوجي أن هذه المخاوف تتخذ غالبا كذريعة لإبقاء العلاقة الكرائية خارج الإطار القانوني (تهربا من الضرائب)، مما يجرد المهاجر من صفة « المواطن المكتري » ويحوله إلى « ضيف هش » يخضع لمزاجية المالك. أما في حالات « القبول المشروط »، فيمارس المالك « استغلالا براغماتيا » يفرض من خلاله « ضريبة قبول » وتسعيرات استثنائية، معتبرا إياها تعويضا ماديا عن قبوله بـ »مخاطرة رمزية » داخل مجاله الخاص.
ويحذر الباحث من الفاتورة المجتمعية لهذا التضييق العقاري، مؤكدا أنه يدفع المهاجرين حتما نحو تشكيل « غيتوهات إرادية أو اضطرارية »؛ وهي عبارة عن جزر اجتماعية معزولة تحكمها شبكات التضامن بين أبناء الوطن الأصلي. وفي هذا الفضاء المنغلق، يرتد المهاجر نحو لغته وطقوسه كآلية دفاعية، مما يحول السكن من بيئة طبيعية للاندماج، إلى بؤر تعمق هوة العزلة وسوء الفهم مع المجتمع المضيف.
« نمط « الحياة المعلقة
وتتقاطع هذه القراءة السوسيولوجية مع المعاينة الميدانية التي يرصدها « مارفيس إكولو »، مهاجر نيجيري ورئيس شبكة « يونايتد أفريكان » (United African Web) للترافع عن حقوق المهاجرين، والذي يعتبر أن « التمييز » المبني على لون البشرة أو الجنسية يبقى « العقبة الأكبر » التي تنسف كل مساعي الاستقرار.
ويؤكد إكولو أن هذه الحواجز الاجتماعية تفتح الباب على مصراعيه للاستغلال المادي، موضحا: « الظاهرة موجودة وواضحة؛ غالبا ما تفرض على المهاجرين أسعار إيجار مضاعفة مقارنة بالمواطنين المغاربة، وحتى عندما يرضخون لهذه الشروط المجحفة، فإن الخيارات المتاحة تنحصر غالبا في شقق متهالكة وفي ظروف غير لائقة ».
ويفكك الفاعل الجمعوي التكلفة النفسية الباهظة لهذا التضييق العقاري، مشيرا إلى أن « الابتزاز المالي، والمطالبة بضمانات تعجيزية، والتهديد المستمر بالإفراغ الفجائي، تدفع المهاجرين حتما نحو خيارات قاسية كالاكتظاظ داخل شقق صغيرة لتغطية المصاريف ». هذا الوضع، يضيف المتحدث، « يولد لديهم حالات من الاكتئاب والقلق المستمر، ويحبسهم في ما يشبه (وضع البقاء) (Survival mode)، مما يضع حواجز صلبة أمام أي محاولة فعلية للاندماج ».
ولتجاوز هذه الدوامة، يوجه إكولو دعوة مباشرة لملاك العقارات بضرورة استحضار البعد الإنساني، معتبرا أن « توفير سكن عادل وآمن للمهاجرين هو في حد ذاته فرصة لمساهمتهم الإيجابية في المجتمع ». مشددا على ضرورة تدخل السلطات الوصية لـ »خلق آليات تنظيمية تضبط الأسعار بقوة القانون، وتحمي حقوق المكترين من التمييز والاستغلال، مع التفكير في مشاريع سكنية بديلة بتعاون مع المنظمات غير الحكومية ».
« لوبيات الفوضى » واقتصاد الندرة
وإذا كان هذا العزل المجالي يهدد بنسف جهود الاندماج وتعميق هوة سوء الفهم بين المهاجر والمجتمع، فإن الصورة من زاوية الممارسة الميدانية لفاعلي القطاع لا تبدو أقل تعقيدا. وفي هذا السياق، يعتبر العربي عدنان، رئيس الجمعية الوطنية للوكيلة والوكيل العقاري بالمغرب، أن الصعوبات التي يواجهها المهاجرون النظاميون في الولوج إلى السكن ليست سوى « تجل عرضي لاختلال هيكلي أعمق » يضرب قطاع الكراء برمته.
ويرجع عدنان جذور هذه الأزمة إلى مفارقة تكمن في خصاص حاد في العرض الكرائي، يقابله وجود كتلة عقارية معطلة تقدر بحوالي 2.5 مليون وحدة سكنية شاغرة على الصعيد الوطني. ويفسر هذا « الاحتجاز العقاري » بـ »الهشاشة التشريعية » وغياب مساطر استعجالية تضمن للملاك استرجاع عقاراتهم في حالات التماطل، مما يدفع فئة عريضة منهم لسحب ممتلكاتهم من دائرة التداول تفاديا للمخاطر النزاعية. وضع أفرز، حسب المتحدث، « اقتصاد ندرة » ترتفع معه القيم الكرائية والمضاربات بشكل يكتوي بناره المواطنون والمهاجرون على حد سواء.
وفي مقاربته لجدلية « التمييز » و »أزمة الثقة »، يحمل رئيس الجمعية المسؤولية للسياسات العمومية التي خلفت « فراغا تشريعيا » فتح الباب أمام ما يصفه بـ »لوبيات الفوضى » من الوسطاء العشوائيين. ويوضح أن ظواهر « التسعير المزدوج » والضمانات التعجيزية المفروضة على المهاجرين ليست سياسة ممنهجة للمهنيين، بل هي نتيجة ميكانيكية لقلة العرض واستغلال شبكات الوساطة غير المهيكلة لهذا المناخ.
وللخروج من هذه المعضلة، تطرح الجمعية « هندسة تشريعية ومؤسساتية » تتجاوز المقاربات الترقيعية، وترتكز على إخراج قانون كراء متوازن يمنح الملاك ضمانات قضائية استعجالية لتحفيزهم على ضخ عقاراتهم المغلقة في السوق، مقترنا بحصر ممارسة الوساطة العقارية بقوة القانون في المهنيين المعتمدين وتجريم العشوائية لقطع الطريق على ممارسات التمييز.
كما دعا رئيس الهيئة إلى تفعيل الرقابة المحلية للجماعات الترابية في الأحياء ذات الكثافة المهاجرة لحمايتهم من الاستغلال، مشددا على أن الدفاع عن كرامة المكتري، مغربيا كان أو أجنبيا، يظل في صميم الدفاع عن شرف مهنة الوساطة العقارية.
وبينما ترفع هذه التوصيات على طاولة النقاش المؤسساتي، تستمر دورة الحياة خارج المكاتب بإيقاعها المعتاد؛ ملاك يتفقدون شققهم الشاغرة، ووسطاء يحددون مواعيد الغد، وشباب مهاجرون يعيدون ترتيب أوراقهم ومستنداتهم، لمواصلة رحلة البحث عن سكن لائق بعاصمة البوغاز.
بقلم: محسن الصمدي
| Ce texte a été réalisé dans le cadre de la session Storytelling pour les migrations, avec le soutien de l’Institut français du Maroc. À lire aussi sur Enass.ma. | ![]() |








