Édition,
investigation
et débat d'idées

من خوارزميات « تيك توك » إلى حدود البلقان… الوجه الآخر لـ »ترندات الهجرة

لم يكن « أسامة » مختلفا عن آلاف الشباب المغاربة؛ فرص عمل محدودة، وشعور متزايد بأن الحياة في موطنه تسير ببطء لا يناسب طموحه. لكن، ما جعل قصته تنحرف عن المسار العادي، لم تكن الظروف الاقتصادية وحدها… بل تلك الحياة المثالية التي كان يراها يوميا على هاتفه.

  » أبدأ الدرس في شعبة « صباغة البنايات » بالتكوين المهني، عند الثامنة والنصف صباحا، وعندما أنهي آخر حصة تمام الساعة الثانية والنصف بعد الزوال، ألتحق مباشرة بمحل للأثواب وأظل فيه إلى غاية منتصف الليل، وبالمقابل أتقاضى أجرا هزيلا! (350 درهما للأسبوع).  » يقول أسامة، شاب مغربي في العشرينيات، رأى النور وترعرع في حي « بنسودة » بمدينة فاس، حصل على شهادة البكالوريا في العلوم الإنسانية عام 2021. ولج بعدها كلية الآداب والعلوم الإنسانية لدراسة « التاريخ » إلا أن ظروفه المادية وضبابية افاق هذه الشعبة بالنسبة له حالت دون استكماله لهذا المسار، وبعد حوالي شهرين قضاها في مدرجات الكلية، قرر تغيير المسار.

« ترندات الهجرة »: بداية حلم…

في أواخر سنة 2021، بدأت وسائل التواصل الاجتماعي تعج بــ « ترندات الهجرة »؛ شباب مغاربة ممن وصلوا لــ « مجال شنغن »، سواء عبر البحر الأبيض المتوسط أو دول البلقان أو المحيط الأطلسي، يشاركون المسارات التي مروا بها، ويوثقون للحظات اختراقهم للحدود وعبورهم نحو الضفة الأخرى.

 لم تكن فكرة الهجرة تراود أسامة من قبل قط، كان يتصفح وسائل التواصل الاجتماعي بشكل يومي، وأغلب المحتويات التي يشاهدها لشباب مغربي توثق لمشاهد الوصول إلى أوروبا… أمضى شهورا على هذا الحال؛ صور لوجوه مبتسمة على « انستغرام »، ومقاطع قصيرة على « تيك توك » تُظهر حياة تبدو سهلة ومليئة بالفرص في الضفة الأخرى. هناك، كل شيء كان يبدو ممكنا: عمل، كرامة، ظروف عيش لائقة…

تشير معطيات « استطلاع حول الولوج إلى تكنولوجيات المعلومات والاتصال واستخدامها من طرف الأفراد والأسر »، أنجزته الوكالة الوطنية لتقنين المواصلات (ANRT)، إلى أن عدد مستعملي شبكات التواصل الاجتماعي في المغرب ارتفع بــ 8 ملايين مستخدم ما بين سنتي 2019 و2024 (الرسم التوضيحي 1)، كما تَبرُزُ وسائل التواصل الاجتماعي كخيار أول بنسبة 98,9% سنة 2024، لمستخدمي الأنترنيت في المغرب (الرسم التوضيحي 2).

يشرح الدكتور محسن ابن زاكور، وهو أستاذ علم النفس الاجتماعي، أن -ما نتوهم- أن يكون قرارا للهجرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي فهو ليس كذلك، « فبالحديث عن هذه المنصات فنحن نتحدث عن (التأثير والدافعية – L’influence et la motivation)؛ لسنا حيوانات تخضع لتأثير مباشر بمنطق المثير والاستجابة الذي جاءت به المدرسة السلوكية في علم النفس »، بمعنى أن وسائل التواصل الاجتماعي لا تؤثر بشكل مباشر عن قرارات الإنسان لكن توظف اليات التأثير السمعي البصري، وعلى عكس الخرافة أو ما كان يُحكى قديما؛ فهي تعتمد على الإغراء عن طريق الصورة.

بدأت الفكرة تتسلل لذهن أسامة يوما بعد يوم، إلى أن وصله خبر وصول ابن خالته إلى إسبانيا، في هذه اللحظة بدأت تتشكل لديه الملامح الأولى لقرار الهجرة.

« غادرت التكوين المهني لعدم قدرتي على التوفيق بين الدراسة وضغط العمل في نفس الوقت، والتحقت بعمل اخر بأحد مصانع الدجاج بفاس حيث كان الأجر الذي أتقاضاه أعلى من الأول (2500 درهم شهريا)« ، يقول أسامة.

يضيف الدكتور ابن زاكور، أن الدوافع التي يمكن أن تقود لفعل الهجرة ليست مرتبطة دائما بالجانب الاقتصادي، قد تكون إما شخصية كالانبهار بأرض الــ « إِلْدُورَادُو – ELDORADO » وهو ما تصوره وسائل التواصل الاجتماعي عن الضفة الأخرى، إلى جانب عنصر اخر مهم كذلك وهو القدوة على وسائل التواصل الاجتماعي؛ مثلا إذا نجح شخص أو أشخاص في الهجرة سينجح المتلقي أيضا وهذا ما نسميه في السيكولوجيا بــ « الإسقاط – Projection » بحيث أن الشخص يرى نفسه في شخص اخر نجح في فعل الهجرة دون استحضار لواقعه ومؤهلاته وظروفه، وبالتالي فعند اجتماع كل هذه العناصر، يُصبح التأثير على المتلقي عبر وسائل التواصل الاجتماعي أمر سهل.

لماذا لا أجرب أنا أيضا؟

بدأت الفكرة تكبر في لاوعي أسامة، وبالمقابل يفكر هو في سبل تنفيذها… شرع في ادخار قدر مالي مهم من كل أجر شهري يتقاضاه، وبالموازاة يتواصل مع ابن خالته وأشخاص اخرين في مواقع التواصل الاجتماعي لبناء تصور عن المسار الذي سيقطعه وعن المستلزمات التي سيحتاجها خلال الرحلة… أخبر والديه بالأمر، في البداية رفضا الفكرة بتاتا، لكن بعد إطلاعهم على صور وفيديوهات شباب مغربي وصل للضفة الأخرى وتذكيرهم بقصة ابن خالته وافقا أخيرا…

« شعرت بنوع من الارتياح لأننا سنواجه نفس المصير.. »

حجز أسامة تذكرة الذهاب من مطار سايس الدولي بفاس صوب مطار صبيحة الدولي بإسطنبول… ونشر إعلانا على إحدى المجموعات الخاصة بالهجرة (حراكة دول البلقان) للتواصل مع أشخاص من المحتمل أن يرافقوه في نفس اليوم إلى نفس الوجهة.

14 أكتوبر2022، وصل تاريخ الرحلة، « أتواجد بمطار فاس ولا أملك أية صورة عن الذي ينتظرني في الأيام المقبلة، التقيت في المطار بشابين اخرين أحدهما من فاس والأخر من مدينة مراكش كنا قد تواصلنا معا عبر موقع « فيسبوك »، شعرت بنوع من الارتياح لأننا سنواجه نفس المصير… « ، يحكي أسامة.

الحلم يقترب…

« وصلنا أخيرا إلى تركيا، بحثنا عن « سمسار » – كنا قد تواصلنا معه بعد أن أوصى لنا به بعض الأصدقاء الافتراضيين في وسائل التواصل الاجتماعي – لكراء منزل بأحد أحياء إسطنبول، نظل فيه إلى حين تنسيق طريق العبور إلى أوروبا عبر دول البلقان… كنا حوالي 14 شخصا ممن ينتظرون الأوامر من « الريبيري » – المرشد الذي سيدلنا عن الطريق – وسط منزل يمتلكه مغربي مقيم هناك. وبعد أن قضيت فيه قرابة عشرة أيام تواصلت مع « الريبيري » ليدلني على طريق العبور… قال لي: « كون على بال ووجد راسك، فأي وقت نعيطليك باش تمشي »…

رحلتي صوب الــــ « ديلتا »…

جاء يوم خروج أسامة نحو الحدود، اتصل به « الريبري » ليخبره بموعد ومكان الانطلاق… ركب سيارة أرسلها له وكانت تضم قرابة 20 شخصا بينهم شابتين من مدينة سلا، اتجهت السيارة صوب الــ « ديلتا » وهي منطقة حدودية على شكل مثلث تتقاطع فيه حدود كل من اليونان وبلغاريا وتركيا.

« الساعة السادسة مساء، جاءنا الأمر من « الريبيري » باختراق الحدود، كان بعض الشباب يتوفرون على مقصّات لقطع السياجات الحدودية والعبور… نجح بعضهم في العبور لكن محاولتي الأولى باءت بالفشل، بعدما داهمتنا أنا وأربعة شباب اخرون دورية من جنود بلغاريا، دون أن تتمكن من القبض علينا »، يروي أسامة تفاصيل مرعبة عاشها تلك الليلة بعدما سمع صوت السلاح الذي أطلقه عسكريو حدود منطقة الــ « ديلتا »، وبعد أن وجد نفسه في غابة كبيرة لا حدود لها دون مأكل ولا مشرب ولا مأوى، وتحت سماء طقسها لم يرحمه تلك الليلة.

الساعة تشير إلى الرابعة صباحا، قرر أسامة بمعية شباب اخرين إعادة المحاولة مرة أخرى؛ عادوا إلى المكان الذي اخترقوه زملاؤهم من قبل. « اخترقنا الحدود ووطأت أقدامنا الأراضي البلغارية والفرحة بداخلنا لا يمكن وصفها، إلى أن سمعنا أصوات السلاح مجددا وعسكريو الحدود يطالبوننا بالتوقف، لم نستسلم في البداية إلى أن حاصرونا من الجهة المقابلة بكلاب مدربة، ألقى بي أحد الجنود على الأرض ووضع قدمه فوق وجهي » يحكي أسامة هذه التفاصيل وجسده يقشعّر وصوته يرتجف.

حلم المواقع وصدمة الواقع…

تم تجميع كل الشباب الذين قبضت عليهم الدوريات العسكرية التركية والبلغارية في سيارات وترحيلهم إلى ملجأ لإحصائهم وتصنيفهم حسب جنسياتهم، تمهيدا لاسترجاعهم لبلدانهم.

« عشنا ظروفا لا إنسانية، لا وجود للماء ولا أكل… أدركت في هذه اللحظة ولو أنها متأخرة أن ما كنت أشاهده على وسائل التواصل الاجتماعي هو فقط جزء صغير من المشهد الكامل المُرّ، تساءلت لحظتها: ماذا أفعل هنا؟ وما الذي ينتظرني؟ »، يقول أسامة.

يفكك الدكتور ابن زاكور، حضور الجانب النفسي في وسائل التواصل الاجتماعي، حيث أن « السكرول – Scroll « على سبيل المثال؛ من الناحية النفسية بُنِي على حقيقة الدوبامين الذي يفرز في 30 ثانية وينطفئ في 30 ثانية ومن هنا ظهرت الفيديوهات القصيرة التي تقدمها هذه المنصات، فبمجرد انقضاء تلك المدة (30 ثانية) تُخلَق لدى المتلقي « صدمة عاطفية – choc émotionnel « فيقوم بالبحث عن فيديوهات مشابهة، وهنا الخوارزميات تقوم بإرسال محتويات مشابهة لتلك التي شاهدها المتلقي إلى أن يجد نفسه وسط « فقاعة معلوماتية – bulle informationnelle » ويصبح بالتالي مدمنا على مشاهدة المحتويات المتعلقة بموضوع الهجرة مثلا. وهنا لا يكمن الحديث عن تشكل قرار لدى المتلقي بقدر ما نتحدث عن خضوعه لما قدمته له الخوارزميات أو بصيغة أخرى تم استيلابه من طرفها.

ويضيف الأستاذ محسن ابن زاكور، أن للتواصل وظيفة مهمة في موضوع الهجرة، وتتجلى في وضع المتلقي أمام ما يصطلح عليه في علم النفس بــ »النقيضين »، فعندما نضع الشخص أمام نقيضين (الحلم / الواقع، مثلا)، هنا يحدث لديه نوع من التضارب في الآراء وندعوه كإنسان لاستحضار حسه النقدي، كما أن السرديات التي ينتجها الإعلام كــ (فشل محاولة للهجرة أو غرق أو موت أو قصة نجاة بعد معاناة) ليست كافية وحدها، لأنها وسيلة للتأثير الاني، ولا تلغي حقيقة الوضع الاجتماعي ولمعالجة هذا المشكل يجب النظر إليه في شموليته، فلا يمكن منع الناس من الهجرة لأنها حق إنساني.

جيل يبحث عن فرصة…

قصة أسامة ليست استثناء، بل مرآة لآلاف القصص الصامتة التي تبدأ بإعجابٍ على « ريلز » وقد تنتهي بخيبة على حدود بعيدة. وليست حالة فردية، بل تشكل صورة لجيل يعيش بين واقع اقتصادي واجتماعي معقد، وعالم رقمي يصنع أحلاما أكبر من الإمكانيات. جيل يبحث عن فرصة، وعن كرامة، وعن مكان يشعر فيه بأن المستقبل ممكن.

عمر اسماعيلي

عمر اسماعيلي ، صحافي وطالب باحث في « التواصل السياسي » بالمعهد العالي للإعلام والاتصال بالرباط. خريج شعبة « علوم الإعلام والتواصل » بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس
Ce texte a été réalisé dans le cadre de la session Storytelling pour les migrations, avec le soutien de l’Institut français du Maroc.
À lire aussi sur Enass.ma.

29 juin 2026