« من ملاعب « القرب » بزاكورة إلى محاولة « لحريق
« كلما تبدأ قدماي بلعب كرة القدم إلا وأتخيل نفسي في أحد أعرق الملاعب الأوروبية، الدقائق تمر على مهل..وأعصاب الجماهير على أشدها..عيونهم على ما بين قدماي.. ورغبتهم تكمن في أن أضعها في شباك الخصم لأسجل الهدف فأحمل ذات الأذنين بكل فخر واعتزاز ».
كانت هذه الكلمات بمثابة قصة يحكي أطوارها أحد شباب مدينة زاكورة وهو يمارس هوايته المفضلة: كرة القدم. وليس غريبا أن تحظى هذه الرياضة بكل هذه الشعبية وتغزو قلوب الصغار قبل الكبار، في الأجواء التي تصنعها « تورنوات رمضان » تضاهي ما قد تفعله المهرجانات في ما يتعلق بأجواء الشغف والبهجة، والأمر ليس بغريب حقا، بيْد أن هذه الغرابة قد تكمن في ملاعب القرب التي يراها شباب زاكورة أحلاما بعيدة المنال رغم قربها من واقع الخيال.

الساحرة البعيدة المنال
لم يكن محمد سوى نموذج يحكي غياب ملاعب القرب التي يرونها المكان المناسب لإقامة المباريات، فالأمر لا يكمن في غيابها فقط، بل في أن محمد وأمثاله وجدوا ضالتهم وأحلامهم في الساحرة المستديرة!
“هنالك من يرى في الهجرة سبيل النجاة الوحيد، هو مفتاح تحقيق الأحلام »، يقول محمد وقد اتخذ من أحد الملاعب مسرح همومه. إن الأمر يتجاوز أن يكون مجرد مشاكل لا تعيرها السلطات ذلك الإهتمام المطلوب، فرغم طول المسافة بين زاكورة وطنجة كمنطلق تهاجر منه موقعه قوارب الشباب، فالعيون تشرئب إلى هناك.
وإن لم تكن ملاعب القرب هي المكان الأنسب، فلن نجد أفضل من الملاعب التي يسكنها الإهمال والفوضى » عبارة يتردد صداها في مدينة زاكورة حيث لا خيار آخر يملكونه بل يمكن القول أنه الخيار الوحيد وفي الأفق لا جديد يذكر ولا آمال تنتظر.
الملاعب بزاكورة: بأي حال ولدت؟
ظلت ساكنة زاكورة وشبابها تمني النفس بملاعب قرب، تلبي لها آمال وتطلعات من يعشق كرة القدم، سواء من موقع اللاعب أو حتى المشاهد، لكن في المقابل تطفو على سطح الواقع مشاكل أعمق من قبيل جودة الملاعب، وتوزيعها المجالي والعادل. لقد عبّر أحد النشطاء من حي »المنصور الذهبي » عنهم بالقول: « من غير المقبول أن يتآكل عشب ملعب لم يمر على تدشينه سوى أشهر قليلة. ما حدث في ملعب المنصور الذهبي هو تبديد للمال العام؛ فإما أن العشب المستعمل لا يحترم المعايير التقنية، أو أن هناك خللاً في مراقبة جودة الأشغال. نطالب بفتح تحقيق وربط المسؤولية بالمحاسبة مع الشركة الناقلة للصفقة. »
وأضاف بلال الفاضلي وهو كاتب ومتابع للشأن المحلي في تصريح له: « حرارة الصيف في زاكورة ليست مجرد ظاهرة مناخية، بل أصبحت أداة كشف لغش الصفقات. ما نراه من انصهار أو تآكل في عشب الملاعب يطرح تساؤلات حول مدى ملاءمة دفاتر التحملات لخصوصية مناخ الإقليم. الملاعب يجب أن تُبنى لتستمر، لا لتكون مجرد ‘تأثيث’ مؤقت يختفي مع أول موجة حر. »
ملاعب القرب بالمراكز الكبرى: تطور مذهل
وعلى عكس واقع ملاعب القرب بمدينة زاكورة، وإن بدا ظاهريا أنها في تحسن فإن الملاعب في حواضر وكبريات مدن المغرب قد عرفت طفرة وقفزة مهمة، إذ تناثرت الملاعب كأنها حبات قمح وانتشرت المساحات الخضراء المخصصة للملاعب.
فقد تطورت « ملاعب القُرْب » لكرة القدم بشكل كبير في المغرب خلال الـ 20 سنة الماضية وانتشرت في جميع أحياء المدن تقريبا، بحيث يقدر عددها بحوالي 2500 حاليا. وهي جزء من استراتيجية حكومية من بين ركائزها أكاديمية محمد السادس، مما سمح لكرة القدم المغربية بتحقيق منجزات وألقاب متتالية قارية وعالمية. ويتعلق الأمر بملاعب صغيرة ذات عشب اصطناعي في الغالب تشرف عليها رسميا وزارة الشباب والرياضة، وكثيرا ما تقوم بتدبيرها اليومي جمعيات الأحياء. وقد خصصت لها ميزانية سنوية تقدر ب 50 مليون دولار خلال العام 2024 حسب الأرقام الرسمية.
رحلة محمد نحو معانقة الحلم
من بين الوقائع التي تتحدث عن واقع ملاعب القرب والبحث عن بيئة حاضنة لشغف الشباب هي المغامرة التي خاضها أحد شباب زاكورة، حيث يحكي هذا الشاب وهو في سن العشرينات عن التجربة المريرة التي خاضها. فقد اتفق هو وأصدقائه على أن تكون زكورة محطة الانطلاق، ليجد الشاب نفسه مع بقية أصدقائه على متن حافلة تعج بالشباب المغاربة، وقد كان مدركا للأمر من خلال ملامحهم وشكل لباسهم، إذ تتشابه رغباتهم الداخلية مع مظاهرهم الخارجية.
يجد الشاب نفسه رفقة أصدقائه في تطوان حيث يجب عليهم أن يتجهزوا للحظة المناسبة، ولم يكن الأمر بهذه السهولة فالموارد المالية التي كانت بحوزتهم قد شارفت على النفاذ، حسب ما ذكره محمد: « أردنا المبيت في إحدى غرف الكراء، لكن كنا نخشى وشاية صاحب البيت إذ قد يكون سببا في إفشال رغبتنا في بلوغ الضفة الإسبانية، خفنا أن يتجه صاحب المنزل دون علمنا نحو مركز من مراكز الشرطة و يخبرهم بأن مجموعة من الشباب هم غرباء عن المدينة ».
يذكر محمد أطوار قصته قائلا: « للأسف تم القبض علينا من طرف عناصر القوات المساعدة، شعرنا أن غايتنا قد انهارت بمجرد أن تم إعتقالنا، تأملنا حالنا ومآلنا، قد دُمرت أحلامنا وصرنا نرسم مشاهد الخيبة ونتذكر دروب العودة لمنطقتنا، نتحسر على منطقنا، تأكدنا بأن الواقع لا يطيقنا! ».
يضيف محمد بحسرة قائلا: » تم تجريدنا من ملابسنا، وبقينا بالملابس الداخلية فقط، وتم أخذنا نحو موقع الديوانة وقمنا بالتوقيع على بعض الالتزامات التي نجهل جوهر موضوعها ومكامن بنودها، ثم تم إرسالنا نحو مدن أخرى لا نملك فيها سندا ولا عونا، تقطعت بنا السبل،فصرنا نعيش الصعوبات تلو الصعوبات، كل هذا وأكثر حتى لا نفكر مجددا في الهجرة أو محاولة تكرارها مرة أخرى! »،هكذا يسرد الشاب تجربته الخاصة، تجربة يخوض غمارها القاصرين ومن هم في سن العشرينات.
ملاعبة الأمل
هذه قصة من بين عشرات القصص التي تسرد بلسان الحال، ورغم ذلك بدأ محمد يغير نظرته لنفسه وبدأ يشحد آمال حلمه عاقدا الحزم لدرب آخر، وفي هذا الصدد يضيف محمد:
« لربما فشلنا في محاولة العبور، ولربما الفشل كان سبيلا آخر يمنعنا من المرور، ولكن بالعودة للملاعب هنا وفي زاكورة أبصرنا أملا جديدا، وضوءا منيرا، إن غاب الأمل عن أحلامنا، فسوف نلاعبه بأقدامنا »، هكذا تتغير النظرة، وهكذا يتغير السبيل، فلربما مدريد ليست بالحلم الموعود لكن حيثما وجدت كرة القدم، وجد محمد وأمثاله أملا يلاعبونه.
بقلم: أيوب الناجي
| Ce texte a été réalisé dans le cadre de la session Storytelling pour les migrations, avec le soutien de l’Institut français du Maroc. À lire aussi sur Enass.ma. | ![]() |








