نساء المصانع: محنة البحث عن القوت والكرامة
خوفٌ وبردٌ وعياء… هي كل ما يمكن أن تشعر به المعذَّبات في أرض طنجة التي لا تنام. عند كل خامسة من صباحات مدينة البوغاز، تقف عاملات المصانع في “البرّادا”؛ وهو اسمٌ محليٌّ مستوحى من الإسبانية يُطلَق على نقط انطلاق الحافلات في كل حي.
يحملن حقائبهن المُثقلة بهموم الأرض ومصائب السماء، في انتظار رحلة يومية لا تختلف كثيرًا عن التي سبقتها: طريق طويل، وزمن متجمّد، وأحلام مؤجّلة… إذ تشكل النساء العاملات في القطاع الصناعي بالمغرب ما بين ٪39 الى ٪ 46 حسب آخر استقصاء بالمجال الصناعي سنة 2023.
تتقدّم الحافلات بسرعة، كأنها في رحلة من رحلاتها الأخيرة… وما إن تصل إلى تلك المصانع التي تنمو كالفطريات وبشكل مضاعف بنسبة انتاج تفوق 30% في غضون عشر سنوات يؤكد باروميتر الصناعة المغربية في أبرز نتائجه… حتى يبدأ اليوم بزئير صاخب، آلات تصرخ كوحوش جائعة لا تشبع من أجساد النساء ولا من ساعاتهن الطويلة، هناك، حيث يختلط التعب بفقدان الامل، تتحوّل الأيدي الرقيقة إلى أدواتٍ دقيقة، وتتحوّل الأحلام إلى بقايا خيطٍ يتدلّى بين الحاضِر والمستقبل.
من الجبل إلى البحر: رحلة الشغل الحارقة
تعتمد المناطق الصناعية في طنجة على الهجرة من القرى الى المدن لإستقطاب المزيد من العاملات و العمال، حيت تعتبر المدن الصناعية الكبرى أكثر المدن استقطابا للهجرة القروية كما جاء في الإحصاء العام الأخير 2024 للمندوبية السامية للتخطيط مما يجعل من هذه الفئة المحرك الأساسي لدوران عجلة الإنتاج داخل المصانع ، لكن في المقابل تظل الحلقة الأضعف داخل سلاسل القيمة الصناعية، فنساء الكابلاج والنسيج والصناعات الغذائية يُنتجن لساعات طويلة وبأجور متدنية، ويواجهن هشاشة مزدوجة: هشاشة الشغل وهشاشة الحياة اليومية.
” إن جل العاملات اللواتي أعمل الى جانبهن داخل المصنع مهاجرات من القرى أو المدن المهمشة والبعيدة… وغالبيتهن مرغمات على العمل لظروفهن الإقتصادية الصعبة وخصوصا تلك المعيلات للأسر” تروي لنا أميمة في هذا الصدد.
أميمة من بين النساء اللواتي قدمن الى طنجة من أجل العمل ومساعدة زوجها على مصارف الأسرة، لها أربعة أطفال في ضواحي طنجة، اكتروا بيتًا متهالكًا، سقفه يرشح كلما نزل المطر، وجدرانه تشبه الصمت الذي يسكنهما.
عمل زوجها نادلاً في مقهى صغير يملكه رجل اسمه “عمي أحمد”، وكان الأجر بالكاد يكفي للكراء وشراء الخبز وبعض العدس.
رغم ذلك، كانت أميمة سعيدة بشيء بسيط: أنها بدأت ترى البحر من بعيد، وتشعر أن العالم أكبر من الجبل.
لكن المرض جاء دون موعد، سعال الزوج لم يكن عادياً، بعد فحوص طويلة في المستشفى، حمل الطبيب الأخبار كأنها سكين: السلّ.
أصبح الزوج مقعدا بسبب ذاك المرض، مرضه هذا زاد الضغوطات الاجتماعية والإقتصادية للزوجة وجعلها عرضة لأبشع أنواع الاستغلال داخل العمل.
وفي حديث اليها تتطرق الى أن جل العاملات يشتكين من الساعات الإضافية الطوال، والتي تصل مدتها الى 12 ساعة في اليوم ولمدة أسبوع بالكامل وقد تصل أحيانا الى شهر دون توقف… لكن هي لم تكن من ضمن المتذمرات او المشتكيات، بل كانت من بين الحريصات على عدم الاحتجاج او الرفض، إذ تلجأ أحيانا الى استجداء رؤسائها المباشرين من أجل زيادة ساعات العمل مقابل زيادة طفيفة في الأجرة التي لا تكفيها حتى لتغطية مصارف الأسرة الأساسية.
فبالرغم من كون الهجرة نحو المدن الصناعية تُقدَّم للنساء على أنها فرصة للنجاة من الفقر، إلا أنها في كثير من الأحيان تتحول إلى رحلة شاقة يعيش فيها جسد المرأة بين كماشة العمل المرهق والغربة عن الأسرة، وبين ضغط الكراء والمصاريف اليومية التي تُلتهم أغلب الأجور. وتزداد المعاناة حين تُصبح المرأة عاملةً وأماً ومعيلةً في الوقت نفسه، فتتكفل بالإنفاق على البيت والأطفال كما جاء في مخرجات الإحصاء العام الأخير للمندوبية السامية للتخطيط، بينما تعمل داخل مصنع لا يعترف بجهدها إلا من خلال “القطع المُنجزة” لا من خلال إنسانيتها، وقد جائت على ذالك الجمعية المغربية لحقوق الإنسان في تقريرها السنوي 2024 حيث أكّدت من خلاله الإنتهاكات الحاصلة في الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، من بينها ما يشمل حقوق الشغّالة/العمال والعاملات، واعتبرت أن الحماية الاجتماعية والحريات الاقتصادية في وضع غير فعلي على أرض الواقع في العديد من الحالات كما يعتبر التقرير ان الحقوق المنتهكة للشغيلة والحماية الاجتماعية لا تعد إلا خطابًا فارغًا للدولة، إذ لم تستطع هذه الأخيرة تقديم مكتسبات ملموسة تُعتبر فعلاً حماية اجتماعية حقيقية.
تجد النساء في الحاح الشركات و المصانع على استقطاب العنصر النسوي فرصة لضمان لقمة عيش لم تكن متوفرة لغيرهم قبل الطفرة التي حققها المغرب في المجال الاقتصادي، لكن سرعان ما تتحول هذه اللقمة الى جمرة حارقة بسبب ما يتعرضن إليه من إقصاء والاعتماد عليهن فقط في سلاسل الإنتاج كعاملات بأجور زهيدة بدل المناصب ذات الأجور المرتفعة التي يظفر بها الرجال “فالرؤساء غالبا ما يرددن على مسامع العاملات أن النساء لا يعول عليهن في المناصب الأكثر أهمية بسبب طبيعتهن البيولوجية كفترات الحمل والولادة التي تلزم الشركة بإعطائهن فترات طويله للراحة أثناء وبعد الولادة والكثيرات ما يشتكين من حرمانهم من الجلوس او فترات راحة كافية أثناء الأشهر الأخير من الحمل” توضح أميمة.
هذه البيئة العدوانية التي تُشعر النساء العاملات بالخوف من المستقبل جعلت أميمة تحاول جهدَ استطاعتها إرضاء رؤسائها، والالتزام بالحضور رغم المرض، فقط من أجل الحفاظ على منصبها الهش، أو من أجل الترقية الى منصب يمكم أن يساهم في صون كرامتها.
المرض وفخ الديون
لم تقتصر المعاناة على العمل القاسي تسترسل أميمة، بل امتدت إلى حياتها الخاصة، تعرضت ابنَتها الصغيرة لمرض التهاب السحايا، مما جعل من الأسرة تواجه صعوبة بالغة في الحصول على العلاج المناسب بسبب المستشفيات المهترئة، وغياب الرعاية الطبية الكافية، بالإضافة إلى غلاء الأدوية التي لا تستطيع أجور العاملات تغطيتها.
ساهم هذا الواقع مع مرور الوقت، في تدهور حالة الطفلة وأصبح أمر شفائها من ذلك المرض القاتل مستحيلا.
في إحدى صباحات طنجة الباردة خرجت أميمة تحمل جثمان ابنتها، وفي يدها الأخرى أوراقا عديدة تشهد على واقع من ورق. كانت السماء تمطر، والمدينة صامتة كأنها تشاهد مشهدها الأخير بلا اكتراث، في مشهد سريالي تصفه لنا أميمة.
بعد وفاة ابنتها، اضطرت إلى اللجوء إلى القروض البنكية لرد الديون التي راكمتها أثناء المرض والمصاريف اليومية، لكن ما كان يُفترض أن يكون حلاً أصبح عبئًا جديدًا على حياتها. الفوائد البنكية المدمرة أثقلت كاهلها أكثر، وجعلت كل دين جديد بمثابة فخ اقتصادي مستمر.
أصبح كل شهر صراعًا بين دفع أقساط البنك والإنفاق على الأسرة الأساسية، مما ضاعف من هشاشة وضعها الاقتصادي، وجعلها مثالاً حيًا للنساء اللواتي يُستنزفن بين العمل المرهق والضغوط المالية المتراكمة تسترسل في حكيها.
يكشف تقرير الاستقرار المالي لسنة 2024، الصادر عن بنك المغرب وهيئة مراقبة التأمينات والاحتياط الاجتماعي والهيئة المغربية لسوق الرساميل، أن القروض الإجمالية للأسر المغربية واصلت منحاها التصاعدي ويُظهر أن الأسر المغربية لا تزال تعاني من ضغوط مالية بسبب المنحى التصاعدي للديون، ما يعني أن الادخار غالباً لم يعد كافياً لتغطية الاحتياجات (سكن، تجهيز، نفقات يومية …).
الوضع عند كثير من الأسر يُذكّر بحالة “تهجين” بين مدخرات بسيطة من جهة، وديون كبيرة من جهة أخرى، وهو مزيج هشّ خاصة إذا توفر دخل غير مستقر أو وقع طارئ اقتصادي داخل الأسرة أو المجتمع.
صبر ومثابرة رغم القيود
لم تكن رحلتها سهلة، ولم يفرش لها الطريق بالوعود، تحكي هذه العاملة قصة كفاحها قائلة: ” كنت أنهض كل صباح محمّلة بقلق الحياة ومسؤوليات البيت، وأمضي نحو المصنع كأنني أمشي بثقل العالم فوق كتفي. ومع ذلك… كنت أبتسم. تلك الابتسامة التي لا تقول أنني بخير، بل تلك التي أستعملها سلاحاً لمحاربة الاستسلام”، و في كل محطة من محطات يومها، كانت تختبر صبرها: ضغوط العمل، التزامات الأسرة، الديون، الزمن الذي لا يرحم، والأحلام التي تبدو بعيدة. لكنها كانت تعرف شيئاً واحداً: أن المرأة التي تنحني قليلاً لتلتقط أنفاسها… لا تسقط، بل تستعد لتنهض أقوى.
ومع الوقت، بدأ الذين يشاهدونها بصمت يلتقطون ملامح قوتها: انضباطها، دقتها، وقدرتها على تحويل لحظات الفوضى إلى عمل متقن. شيئاً فشيئاً، أصبحت تُرى بعيون مختلفة… لم تعد مجرد رقم في لائحة الحضور، بل امرأة يراهن عليها الفريق.
وهكذا، حين أعلنوا ترقيتها إلى مدرّبة في الإنتاج، لم يكن ذلك هدية من أحد، ولا صدفة طارئة. كان اعترافاً ضمنيا برحلة كاملة من الصبر، والمثابرة، والعمل الصامت الذي يصنع الفرق ويترك أثراً لا يُمحى.
لم تكن ترقيتها نهاية الرحلة، ولا لحظة تمحو ما سبقها من تعب وضغوط. فالمعاناة ما زالت حاضرة في تفاصيل يومها؛ مسؤوليات البيت لم تخفّ، والديون لم تختفِ، وإيقاع العمل لم يصبح أسهل. لكنها اليوم تنظر لحياتها بعيون مختلفة… عيون امرأة أدركت أنها قادرة على أن تتقدم رغم الحمل الذي فوق كتفيها.
لقد كانت خطوة واحدة فقط في طريق طويل، لكنها خطوة تقول الكثير: تقول إنها لم تنكسر، وإن كل ما عاشته من إرهاق وظلم ومشاق لم يذهب سدى. تقول إن المرأة يمكن أن تظل مثقلة بالمشاكل… ومع ذلك تحقق تقدّماً صغيراً، صادقاً، وحقيقياً.
اليوم، وهي تقف في موقع “مدربة الإنتاج”، تعرف أن هذا المنصب لا يعني أن الطريق صار سهلاً، بل يعني أنها أصبحت أكثر قدرة على مواجهته. انتصارها ليس نهاية الألم، بل قدرتها على الاستمرار رغم وجوده. هو الحلم الأخير الذي بات يراودها وانتصار هادئ، بلا ضجيج… يشبهها تماماً.
بوجمعة المنصوري
![]() |
بوجمعة المنصوري فاعل مدني وباحث في القانون العام، كاتب مهتم بالقضايا الاجتماعية وحقوق الإنسان |
| Ce texte a été réalisé dans le cadre de la session Storytelling pour l’égalité entre femmes et hommes, avec le soutien de l’Institut français du Maroc. À lire aussi sur Enass.ma. | ![]() |












