Édition,
investigation
et débat d'idées

هند.. أم بين نار الهجرة وزواج السراب

كانت هند فتاة جميلة، تعيش في قرية هادئة قرب ضواحي مدينة الفقيه بن صالح، تبلغ من العمر سبعة عشر عامًا. كانت تحلم بحياةٍ بسيطة وسعيدة، وزوجٍ يحترم كرامتها ويغمرها بالحب والاهتمام. وكأي فتاة في مثل سنها، كانت هند تنسج أحلامها على ضوء الأمل.

لكن الأقدار كان لها رأيٌ آخر؛ إذ تقدمت سيدة إلى والدها تطلب يد هند لابنها، الذي يعيش مع عائلته في الديار الإسبانية. رأى الأب في هذا العرض فرصةً ثمينة لابنته، ظنًّا منه أنها ستجد هناك حياةً أفضل، بعيدة عن قسوة الفقر وضيق العيش. فوافق على الزواج دون تردد، مدفوعًا بحب الأب وخوفه على مستقبل ابنته.

أما الأم، فلم يطمئن قلبها لهذا القرار. رفضت الفكرة منذ البداية، لأنها لم ترَ الشاب، ولم تعرف عنه شيئًا يُذكر. كانت تشعر أن في الأمر غموضًا، وأن ابنتها تُدفع نحو مصيرٍ مجهول.

لم تمض فترة طويلة على هذه الخطبة حتى وقعت مأساة لم تكن في الحسبان؛ إذ تعرض الأب لأزمة صحية مفاجئة، سلبته أنفاسه في لحظة، تاركًا خلفه فراغًا كبيرًا في حياة أسرته، وحملًا ثقيلًا على قلب هند.

فقررت الأم أن تحقق حلم الأب المتوفي لتتم زواج هند بهذا لشاب.

وبين حزن الفقد وضغط الواقع، وجدت الأم نفسها أمام خيار صعب؛ فقررت، رغم ترددها، أن تحقق رغبة زوجها الراحل، وأن تُتم زواج هند من ذلك الشاب، ظنًّا منها أن في ذلك وفاءً لذكرى الأب، وربما نجاةً لابنتها من مستقبل مجهول في القرية.

وهكذا، تزوجت هند من شاب لم تره إلا يوم كتابة عقد الزواج. كانت بداية علاقتها به غامضة، تخلو من المشاعر الحقيقية أو التعارف الذي كانت تحلم به. بعد الزواج، قضت معه شهرًا واحدًا في منزله بمدينة الصخيرات، تحاول خلاله أن تتأقلم مع واقعها الجديد، وأن تبني شيئًا من الألفة بينهما.

لكن هذا الأمل سرعان ما تبدد؛ إذ طلب منها زوجها، بعد انقضاء الشهر، أن تعود إلى بيت والديها، مبررًا ذلك برغبته في الرجوع إلى إسبانيا، ورافضًا أن تبقى وحدها في منزله. وعدها بأنه سيرسل لها نفقتها كل شهر، وأنه سيعود في العطلة السنوية ليقضي معها بعض الوقت.

وافقت هند، على العرض، معتقدة أن الأمر مؤقت، وأنها ستلتحق به قريبًا في إسبانيا. عادت إلى بيت والدها، حاملةً معها آمالًا مؤجلة، وحلمًا لم يكتمل.

مرت سنوات على هذا الحال، في كل عام، يعود الزوج مع عائلته إلى الصخيرات، فتذهب هند إليه لتقضي معه فترة قصيرة، وكأنها ضيفة في حياة زوجها، لا زوجة لها مكانها واستقرارها. وما إن تنتهي العطلة، حتى يطلب منها العودة مجددًا إلى بيت أهلها، وكأن شيئًا لم يكن.

أنجبت هند طفلها الأول في بيت والدها، ثم حملت مرة ثانية، واستمر الوضع كما هو، دون تغيير يُذكر. ومع مرور الوقت، بدأت نظرات الناس تثقل كاهلها، وكلمات السخرية والشفقة من الجيران وبعض أفراد العائلة تمزق صمتها الداخلي. لم تعد تحتمل هذا الوضع المهين، ولا تلك الحياة المعلقة بين زوجٍ غائب وواقعٍ قاسٍ.

هجرة ونار

وفي لحظة شجاعة، قررت أن تواجه زوجها، فوضعت أمامه خيارين واضحين: إما أن يصحبها معه إلى إسبانيا لتعيش معه حياةً طبيعية كزوجة، أو أن يتركها تعيش بكرامة في بيت الزوجية بمدينة الصخيرات. لكن رده كان صادما وقاسيا، إذ رفض طلبها بعنف، وتطور الأمر إلى اعتداء جسدي، تسبب في سقوط جنينها. ولم يكتفِ بذلك، بل امتنع أيضًا عن إرسال النفقة، تاركًا إياها تواجه مصيرها وحدها.  في تلك اللحظة، انكسر شيء في داخل هند… لكنه لم يكن ضعفًا، بل كان بداية تحوّل. قررت ان تعتمد على نفسها. خرجت تبحث عن عمل، رغم قلة الفرص وصعوبة الظروف. اشتغلت في الفلاحة، تحت شمس حارقة، بأجر بالكاد يكفي لسد رمقها ورمق طفلها. كانت تقاوم، يومًا بعد يوم، لتحافظ على كرامتها. لكن الواقع كان أقسى من صبرها ومع انسداد الأفق، بدأت فكرة الهجرة السرية تتسلل إلى ذهنها، فكرة محفوفة بالمخاطر، لكنها بدت لها كخيط النجاة الوحيد. اتخذت القرار الأصعب في حياتها. تركت طفلها عند أمها، وقلبها يتمزق ألما، لم يكن الفراق سهلا، كانت تعلم أن ابنها سيكبر بعيدا عنها وأنها تخاطر بحياتها في رحلة مجهولة.

لم تكن تهرب بل كانت تقاتل بطريقتها من أجل نفسها ومن أجل ابنها.

في قلب الليل، وبين أمواج لا ترحم، كانت هند تتشبث بحافة القارب الصغير، تحاول أن تقاوم الخوف الذي ينهش صدرها. لكن القدر لم يكتف بما عانته، إذ اندلع حريق مفاجئ داخل القارب، بسبب تسرب الوقود واحتكاكه بمحرك متآكل. في لحظات، تحول القارب إلى جحيم عائم. تعالت صرخات الركاب، واختلطت رائحة البحر برائحة الاحتراق.  حاولت هند أن تنقذ نفسها، لكن ألسنة اللهب امتدت إلى جسدها، فأصيبت بحروق مؤلمة في بطنها ورجليها ويديها.  لم تعد تشعر إلا بالألم والخوف، وكأنها تعيش آخر لحظات حياتها. في تلك اللحظات، لم تفكر إلا في ابنها. . . في وجهه الصغير الذي تركتها خلفها، وفي وعدها الصامت أن تعود من أجله. وبين الحياة والموت، ظهرت أضواء في الأفق. كانت دورية للشرطة البحرية الإسبانية قد رصدت القارب المنكوب. تم إنقاذ من تبقى من الركاب، وكانت هند بينهم… جسدٌ منهك، وروحٌ معلقة بخيطٍ رفيع من الأمل نُقلت إلى المستشفى، حيث خضعت للعلاج أيامًا طويلة. كانت الحروق شاهدةً على رحلتها القاسية، وذاكرةً لا يمكن محوها. وبعد تحسن حالتها، وُضعت تحت الحراسة لمدة خمسة عشر يومًا، في انتظار تحديد مصيرها. خمسة عشر يومًا بين جدران باردة، لكنها لم تكن أقسى من السنوات التي عاشتها من قبل.

ثم… جاء القرار

سُمح لها بالبقاء في إسبانيا، نظرًا لوضعها الإنساني، وللظروف التي مرت بها. كانت تلك اللحظة أشبه بولادة جديدة… لكنها ولادة مؤلمة، تحمل في طياتها ندوب الماضي.اليوم، تعمل هند في أحد المصانع، تكافح بصمت، وتبني لنفسها حياة من الصفر. حصلت على وثائق إقامة، وهويةٍ تمنحها حق البقاء، لكنها لم تمنحها السلام الكامل. ففي كل مرة تنظر إلى المرآة، ترى آثار الحروق… وتسمع صدى الأمواج… وتتذكر ابنها الذي تركته خلفها.

لقد نجت هند…لكن شيئًا بداخلها غرق إلى الأبد ورغم ذلك، مازالت تمشي لا لأنها قوية فقط بل لأنها لم يعد لديها خيار آخر.

مرت سنوات، ثقيلةً كأنها عمرٌ كامل. كانت هند تعمل بصمت، تجمع ما استطاعت من المال، وتعيش على أمل واحد: أن ترى ابنها مجددا.

كبر الطفل بعيدا عنها، بين أحضان جدته، وهو يحمل في قلبه أسئلة لا تجد جوابا: لماذا رحلت أمي؟ هل تخلت عني؟ أم أن للحياة قصة لم أفهمها بعد؟

أما هند، فكانت تعيش كل يوم بنصف قلب. . .نصف معها، ونصف بقي هناك في تلك القرية الصغيرة.

بقلم: إيزة مجدوبي

ايزة مجدوبي ، بجماعة احد البرادية باقليم الفقيه بن صالح منسقة  » مشروع امساواس + لتعزيز مشاركة النساء والشاب في الحياة السياسية من أجل تنمية ترابية دامجة « بجمعية الانطلاقة للتنمية والبيئة والثقافة افورار . حاصلة على الاجازة في الدراسات الفرنسية ، ودبلوم في الاعلاميات ودبلوم تأهيلي في التبريد والتكيف
Ce texte a été réalisé dans le cadre de la session Storytelling pour les migrations, avec le soutien de l’Institut français du Maroc.
À lire aussi sur Enass.ma.

1 juillet 2026