واقع النساء المنتقبات بين حرية المعتقد وحق الولوج إلى الوظيفة
في مدينة طنجة، كانت سناء تعيش حياة بسيطة لكنها صعبة، شابة في بدايات الثلاثين، ذات مستوى جامعي تجيد اللغة الفرنسية، تبحث عن فرصة عمل تحفظ كرامتها، وتعينها على أعباء الكراء ومصاريف الحياة وإعالة والديها المسنين، لكن الطريق لم يكن يومًا سهلًا، خاضت سناء عشرات المقابلات، كانت كل مرة تجيب بخبرة واضحة…
لكن ما إن تستقيم نبرة صوتها، حتى تنحني أعينُ اللجان نحو وجهها المغطّى “عذرينا أستاذة..لكن النقاب مكيتمشاشي مع سياسة المدرسة” نفس الجواب، بصيغ مختلفة.
كانت تخرج كل مرة وفي صدرها انكساران: انكسار بسبب الرفض، وانكسار أكبر لأنها تعلم أن السبب لم يكن كفاءتها.
ثم جاء ذلك اليوم، الذي قبلتها مدرسة خاصّة أن تعمل معهم بنقابها، دون شروط أو تردد. يومها شعرت سناء وكأنها استعادت جزءًا من نفسها، لم تكن مجرد مدرسة فقط، كانت ملجأ، ومتنفّسًا، وأمنا وحلما تحقق، قضت خمس سنوات في العمل بإخلاص وتفان، محبوبة من قبل تلاميذها وبين زملائها، وناشطة فيسبوكية تشارك متابعينها كتاباتها الهادئة.
سنوات من العطاء… تنتهي بسؤال واحد
في يونيو من سنة 2025 اهتزّ الأمان، حين استُدعيت الأستاذة سناء إلى مكتب الإدارة، جلس المدير أمامها بنبرة رسمية باردة، وقال: قرار المؤسسة الجديد واضح والاختيار لكِ “العمل… أو النقاب ” كأن الكلمات خرجت من فمٍ بلا قلب، سناء لم تحتج وقتًا للتفكير. قالت بهدوء يشبه ارتعاش الماء: اختار النقاب… هذا مُعتقدي”.
تضيف سناء: خرجتُ من باب المدرسة وأنا أعرف تمامًا أن القرار ليس خيارًا… بل طردًا غير مباشر، لأنهم لم يحاولوا حتى التفاوض معي كما يفعلون مع من يقدّرون كفاءتهم. وتتساءل مع نفسها “واش النقاب ولا الكفاءة ؟ واش المبدأ ولا المظهر؟
حين ترتفع أصوات المنابر… ثم يختفي الجميع
قضيتها انتشرت، وتداولتها الجرائد الإلكترونية والمنابر الإعلامية المغربية، حينما نشرت ما حدث لها على صفحتها.
استضافوها، صوّروا ضعفها وحزنها، وأحاطوها بالوعود: “سنساعدك في إيجاد عمل جديد.”.”الملفات ستُفتح، والحقوق ستعود ” لكن حين هدأت العاصفة…
تقول سناء: اختفى الجميع، لا هاتف رنّ، ولا وعد تحقّق، ولا باب فُتح، مررتُ بأزمة نفسية خانقة؛ ليس لأنني فقدت العمل فقط، بل لأنني شعرت بفقدان مكاني في هذا العالم.
تريد أن تقف، أن تصمد، أن تكمل الطريق… لكنها اليوم تقف وحدها، في مواجهة مصيرها الذي يشبه أمواج طنجة: يبتلع حين يثور، ويلفظ حين يهدأ.
ومع ذلك…سناء ما زالت تكتب في صفحتها على الفيسبوك منشورات بسيطة، لكنها تشبه اعترافاتٍ ونجدة:
“أنا لم أتخلَّ عن العمل… هم من تخلّوا عني.”
حرية المعتقد…حق مشروع
الدستور المغربي لعام 2011، أوضح حق الممارسة الدينية دون مضايقة أو إكراه، وأقر بأن الإسلام دين الدولة يكفل الحرية للممارسة الشعائر والعبادات مما يضمن حرية المعتقد لكل شخص، وانطلاقا من مبادئ الحرية والكرامة والمساواة التي ينص عليها الدستور ومن منطلق الايمان بأن اللباس حرية شخصية لا يمكن أن يكون سببا في إقصاء أو الحرمان من الحقوق الأساسية، المرأة المنتقبة مواطنة مغربية كاملة الحقوق، لها ما لغيرها من فرص في التعليم والعمل والمشاركة في التنمية الوطنية، وهذا واضح في المرجع القانوني للدستور، في الفصل 31 الذي ينص على الدعم والشغل من طرف السلطات العمومية، سواء في البحث عن منصب شغل أو تشغيل ذاتي وكذا ولوج الوظائف العمومية دون إقصاء في حق المواطنات والمواطنين، كما ذكر في باب الحريات والحقوق الأساسية، في الفصل 19 من خلاله تسعى الدولة إلى تحقيق مبدأ المناصفة بين الرجال والنساء، وتحدث لهذه الغاية هيئة المناصفة والمكافحة كل أشكال التمييز.
وهنا يتجلى السؤال المركزي: إلى أي مدى يمكن للدولة أن تمنع مثل هذه الانتهاكات القانونية في حق تشغيل المرأة سواء المحجبة أو غيرها؟ فالتنظيم القانوني يجب أن يكون في خدمة الحرية، لا وسيلة لتقييدها أو تلوينها بمفاهيم سياسية أو إيديولوجية. في المقابل لا يمكن إنكار أن التحديات الأمنية في السنوات الأخيرة الماضية ساهمت في تعزيز الحساسية تجاه كل مظاهر التدين الشكلي، خاصة بعد أحداث 2003 الإرهابية في الدار البيضاء، وهو ما جعل بعض القرارات الإدارية تتخذ طابعا احترازيا أكثر منه تشريعيا، مما أثار التباسا في فهم مقاصدها. لكن التطبيق العملي للقانون والسياسات الإدارية أظهر فراغات وتناقضات بين ضمانات الدستور والممارسات الميدانية.
ملامح المشاركات… شباب متعلم و واع
من خلال إجراء استطلاع عن طريق استمارة إلكترونية، شملت أكثر من 550 امرأة منتقبة من مختلف المدن المغربية. بهدف رصد واقعهن الاجتماعي والمستوى التعليمي، وآراءهن وتجاربهن، حول العمل ونظرة المجتمع إليهن عبر مجموعة من الأسئلة المطروحة.
أظهرت نتائج الاستطلاع أن 89% من المشاركات تترواح أعمارهن بين 18 و 30 سنة، ما يكشف أن النقاب لم يعد حكراً على الفئات الأكبر سنًا، بل أصبح اختياراً لجيل شاب يعيش وسط عالم منفتح رقميا. من حيث الحالة الاجتماعية، كانت 73% عازبات، و 23% متزوجات، و 2.9% مطلقات، ما يدل على أن الأغلبية منهن في مرحلة الدراسة والبداية المهنية. أما من حيث المستوى الدراسي، فقد بينت النتائج أن 56% من المشاركات حاصلات على شهادة جامعية، و 28% منهن حصلن على شهادة الثانوية، بينما 7% يتابعن دراسات عليا، وهي نسبة مهمة تعكس وعيا فكريا وثقافيا يناقض الصورة السطحية التي تربط النقاب بالجهل والتخلف.
بين الدراسة والبيت… تنوع في الأدوار
تُظهر البيانات أن أغلب المنتقبات طالبات بنسبة 71%، تليهن ربات البيوت بنسبة 24%، ثم العاملات في أعمال حرة بنسبة 3.6%. ورغم هذا التنوع، تتقاطع آراؤهن حول الدافع الأساسي لارتداء النقاب، إذ أكدت 99.3% أنه اختيار شخصي، فيما اعتبرت 34% أنه يدخل في إطار الحرية الفردية. هذه النسبة المرتفعة من “الاختيار الذاتي” تبرز أن النقاب لم يعد مجرد تقليد أو ضغط اجتماعي، بل تجربة نابعة من القناعة الشخصية.
سوق الشغل… حرية مشروطة
حين سئلت المشاركات عن موقفهن من توظيف المرأة المنتقبة: عبرت 96% منهن عن دعمهن القوي لحق المنتقبة في العمل، مقابل 3% فقط ضد الفكرة. لكن المفارقة تظهر حين يُطرح سؤال: هل تم رفضك في الوظيفة بسبب النقاب ؟ فقد أجابت 44% منهن بنعم، منهن 13% في وظائف عمومية، و 9.9% في وظائف خصوصية، ما يعني أن حوالي نصف المشاركات واجهن تمييزا مباشرا، رغم كفاءتهن.
شهادات من العمق …تفضح المستور
صرحت مشاركة بقولها : “نعم، سبق لصديقتي المنتقبة أن تقدمت لعمل بسيط مع شخص في عمل خاص، فقال لها بعد رؤيتها. بهذه العبارة: “تفووو كترتو”.
وأخرى قالت: “أنا بحكم أني قابلة، عملي مع النساء فقط، لذلك لم أظن أني سأجد مضايقات، لكن عندما كنت أنتظر العمل مع الدولة، عملت في مصحة خاصة، تضايقوا عندما رأوني بالنقاب، عملت معهم لأنه كان لديهم خصاص، لولا ذلك ما تم قبولي. فعملت معهم لمدة شهرين ونصف، كانت مليئة بالانتقادات عن شكل لباسي، لأني كنت أرتدي سروالا واسعا وقميصا يصل إلى تحت الركبة، استدعوني إلى إدارة المصحة، بأن هذا الهندام ليس مناسبا ويجب تقصيره لأن الدكاترة تضايقوا منه، وفي آخر المطاف جلبوا مولدة أخرى تدربت على يدي،اتصلوا بي قبل انتهاء 3 أشهر من العمل، وقالوا لي بأن لدي العديد من الإنذارات من الدكاترة، لذلك لا يمكنك إكمال العمل معنا، بالرغم أن الكل يشهد على كفاءتي في العمل.”
وتقول أخرى: عندما ارتديت النقاب، طلبت مني مديرة المؤسسة نزعه، كانت تتحدث معي ب دونية و حݣرة، وتقول لي “حيدي عليا داك الشي لي ماعرفتش اش كتسميوه”.
في حين علقت إحداهن:
“الحرية في اللباس لا ينبغي أن تكون انتقائية، فكما نحترم من اختارت أن تلبس ما تشاء، يجب أن نحترم أيضا من اختارت الستر بطريقتها، وليس من المنطق أن تُستنكر قطعة قماش لأنها تغطي، بنما تُقبل أخرى تكشف !
وفي مجتمعنا، رأينا العديد من الألبسة الدخيلة التي تخالف تقاليدنا وثقافتنا الأصيلة، فكيف نغض الطرف عن كل ذلك، ونفرط في النقد حيت يتعلق الأمر بالنقاب، الذي هو في جوهره تعبير عن الحياء والقناعة؟ بل حتى في دول متقدمة مثل روسيا أو النرويج أو السويد، هناك فئة تُعرف باسم القوطيين، يلبسون السواد بالكامل، ويضعون مكياجاً غريبا يخفي ملامحهم، ومع ذلك لا يُعاملون بتلك النظرة السلبية التي تواجهها المنتقبة عندنا. فلماذا نُضيق عليها حتى تقوم بإقصاء نفسها بنفسها، ونحن أحق بالاحترام والرحمة؟ المنتقبة ليست ضد المجتمع، بل هي جزء منه، امرأة تسعى لأن تعيش بكرامة وهدوء وفق ما تؤمن به، ويتم توظيفهم في جميع القطاعات والمناصب والمجالات دون إقصاء أو تمييز مثلها مثل باقي النساء غير المنتقبات.
ليس من الضروري كل من ترتدي النقاب تكون إرهابية أو متطرفة، أو متشددة، فالنقاب لا يصنع الفكر ولا يزرع العنف.
أنا ضد الارهاب بكل أشكاله، وضد كل من يحمل فكرا متطرفا ضد الدولة، سواء كانت امرأة منتقبة أو غيرها.
القضية فكر ومبادئ وليس لباس فقط…فلتُعامل إذن بإنسانية كإنسانة … قبل كل شيء”.
أصوات …تطالب بالإصلاح
“الفصل بين المظهر والكفاءة في التوظيف”
“نشر الوعي بأن النقاب لا يعني التطرف”
“إطلاق مبادرات إعلامية لتصحيح الصورة النمطية”
“الحق في ولوج المدرسة.. دون الإجبار على نزع النقاب “
“احترام حرية الاختيار “
“الإدماج في جميع المجالات، والانخراط في سوق الشغل، دون تهميش أو مضايقات أو إساءات أو عراقيل “
هو ما يكشف عن نضج فكري لدى الفئة المنتقبة، ورغبتها في الحوار والانفتاح، لا في الانعزال. تظهر نتائج هذه الدراسة أن المرأة المنتقبة في المغرب، ليست “ضلاً” كما يعتقد البعض، بل هي شابة متعلمة، تسعى إلى إثبات ذاتها في مجتمع ما زال متردداً بين قبول الاختلاف والخوف منه. النقاب بالنسبة لغالبيتهن ليس قيدا، بل حرية، وما يواجهنه من عراقيل لا يتربط باللباس بقدر ما يعكس حاجة المجتمع إلى نقاش صادق حول معنى الحرية الفردية في المغرب اليوم.
فاطمة أعيسى
![]() |
فاطمة أعيسى طالبة باحثة في قضايا القضاء والأسرة، شعبة العلوم الإنسانية والاجتماعية والدراسات الأسرية، كلية الآداب،جامعة محمد الخامس الرباط. |
| Ce texte a été réalisé dans le cadre de la session Storytelling pour l’égalité entre femmes et hommes, avec le soutien de l’Institut français du Maroc. À lire aussi sur Enass.ma. | ![]() |










