وهكذا عدت إلى الوطن…
قصص مهاجرين اختاروا العودة

« هل من المعقول النظر إلى قضايا الهجرة فقط من منظور حقوق الإنسان، وفق خط المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين التي تصنف جميع المهاجرين كلاجئين دون التمييز بين من لديهم دوافع اقتصادية؟ أم وفق مبدأ الكونية الجذرية «الذي لا يرى سوى أفراد موجودين على سطح الكوكب يجب أن يكونوا قادرين على الاستقرار حيث يشاؤون وفقًا لمصالحهم، وهو ما يعني أنه لم تعد هناك جماعة سياسية قادرة على تحديد علاقاتها مع الخارج»؟ »[1]
سياسات العودة
تعد تجربة العودة وبشكل أساس نتيجة ل »الهجرة » بكل أشكالها التي عرفها المغرب منذ سبعينيات القرن الماضي إلى اليوم، حيث برز المغرب كمركز استقطاب وعبور للمهاجرين في جنوب البحر الأبيض المتوسط منذ مطلع التسعينيات، ليس لكونه لم يضطلع بهذا الدور سابقا، بل لأن تلك الحقبة شهدت بروز أشكال هجرة مغايرة لما كان مألوفا، ويعد مسار غرب البحر الأبيض المتوسط[2] اليوم واحدا من أهم مسارات الهجرة، إلى جانب مساري وسط وشرق المتوسط، وفقا لأحدث التقارير الصادرة عن منظمة FRONTEX والتي تغطي الفترة ما بين شهري فبراير ومارس 2026.
تقوم تجربة العودة على وضعيات مختلفة تحددها وضعية المهاجر والكيفية التي هاجر بها، كما تعتمد أيضا على السياسات التي تنهجها البلدان المستقبلة، حيث أن هناك ما يسمى بالعودة القسرية والتي بدأت تعود مجددا للنقاش العمومي الدولي وتظهر في سياسات الاتحاد الأوربي بشكل واضح، ففي التسعينيات برزت سياسة ترحيل المهاجرين غير النظاميين من الدول الأوروبية نحو بعض بلدان الجنوب، وهي سياسة أبانت عن محدوديتها منذ البداية، حيث أدى الترحيل إلى نتائج عكسية زادت من وتيرة الهجرة. وقد عاد موضوع « عودة المهاجرين » ليتصدر اهتمامات الإعلام الدولي والناشطين الحقوقيين في الأشهر الأخيرة، لاسيما بعد مصادقة الاتحاد الأوروبي في 23 مارس 2026 على قانون جديد يقضي بتشديد سياسات ترحيل الأجانب المتواجدين في وضعية غير نظامية.
أما فيما يخص العودة الطوعية والتي هي بدورها تكون بدرجات متفاوتة نتيجة أسباب مختلفة، احتل المغرب المرتبة الثانية بعد الجزائر في أعداد المهاجرين العائدين من فرنسا (مقابل تلقي إعانات مادية من الدولة الفرنسية)، حيث بلغ عددهم 2002 مهاجر خلال سنة 2025، بزيادة قدرها 20.7 في المائة مقارنة بعام 2024، وفقا لإحصائيات وزارة الداخلية الفرنسية[3].
وعن أسباب ارتفاع وتيرة الهجرة من المغرب عبر مسار غرب المتوسط مقارنة بدول الجوار، أوضح أشرف الميمون، عضو المكتب المركزي للجمعية المغربية لحقوق الإنسان ومنسق اللجنة المركزية للهجرة واللجوء قائلا في مقابلة أجريتها معه مجيبا بالتالي: « يسجل المغرب معدلات مرتفعة في الهجرة غير النظامية بسبب موقعه الجغرافي الاستراتيجي الذي يجعله النقطة الأقرب لأوروبا عبر شمال البلاد. كما أن وجود حدود برية مع مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين يجعله وجهة مفضلة لكل المرشحين المحتملين للهجرة غير النظامية. »
هذا المعطى الجغرافي جعل من إسبانيا البوابة الرئيسية للراغبين في العبور، لتصنف كواحدة من أكثر الوجهات استقبالا للمهاجرين في الاتحاد الأوروبي عبر مسار غرب المتوسط. وبحسب المنظمة الدولية للهجرة، سجلت إسبانيا خلال عام 2024 وصول ما مجموعه 63,970 مهاجرا غير نظامي، من بينهم 61,323 وصلوا عبر البحر.
أما عمليات العودة فيمكن ملاحظة أنه هناك شح في الإحصاءات، كما أن مجلس الجالية المقيمة بالخارج لم يصدر أي تقرير بخصوص الموضوع، في معرض تعليقه على أسباب تزايد حالات عودة المهاجرين مؤخرا، أوضح الميمون، أن الأمر: « يرتبط بالاتفاقية الخاصة التي تجمع المغرب بإسبانيا، والتي أُبرمت سنة 1992 ولم تفعل إلا بعد عام 2012. أما بخصوص أعداد المرحلين، فلا توجد أرقام رسمية دقيقة، بل مجرد تقديرات ميدانية وحقوقية تشير إلى ما يقارب 6000 عائد، سواء بشكل طوعي أو عبر الترحيل القسري. »
العودة وإشكالية المواكبة
تعد المواكبة النفسية والاجتماعية والاقتصادية للعائدين من أهم المواضيع التي يتم طرحها الآن خاصة في سياق موضوع عودة المهاجرين، حيث وخلال قيامي بحوار مع منظمة CEFA الدولية والغير الربحية فرع الرباط، أوضحت لي المنظمة أنها تقدم خدمات نفسية واجتماعية وثقافية واقتصادية للعائدين المغاربة والأجانب. وهي من المنظمات الوحيدة التي وجدتها تعمل على هذه الجوانب لدى العائدين، حيث أنهم يعملون من خلال بعض المشاريع على مواكبة العائدين قبل عودتهم، حيث يتم تعريفهم بنوعية الخدمات وكيفية الاستفادة منها و يتم ربط الاتصال بالمنظمة و اجراء حوار مع المستفيد وتعريفه بالخدمات و بعد أن تتم العودة، يتم اللقاء بالمستفيد و إجراء حوار معه لتحديد حاجياته وإعداد خطة عمل بشكل تشاركي لإعادة ادماجه داخل المجتمع، وهي خدمات نفسية حيث يتم مواكبة الشخص من خلال المساعدة على الولوج لخدمات الطبية أو المواكبة النفسية والخدمات الاجتماعية عن طريق القيام بالوساطة الأسرية واحيانا المساعدة في الحصول على سكن والمساعدة و التوجيه الإداري والقانوني والمساعدة على الولوج للخدمات الصحية التوجيه و الارشاد.
كذلك في الجانب المتعلق بالدعم الاقتصادي فهو يتمركز بالأساس حول المواكبة لخلق مشاريع مدرة للدخل لدى العائدين وهناك مشاريع تمول الولوج إلى سوق الشغل والتكوين المهني.
ورغم الدور الذي تقوم به المنظمة وحسب تصريحاتهم فإن هناك اشكالات متعلقة ب الميزانية والتي تؤثر على جودة الخدمات المقدمة وكذلك اشكالات متعلقة بسياسة المؤسسات الشريكة التي تقدم خدمات للمواطنين كالتعاون الوطني أو الوكالة الوطنية لإنعاش الشغل والكفاءات والتي لا تأخذ بعين الاعتبار الحاجيات الخاصة بهذه الفئة وكذلك مجلس الجالية المقيمة بالخارج والاستراتيجية الوطنية للهجرة، حيث نجد غياب تام لمصطلح المغاربة العائدين.
يمكن اعتبار المواكبة النفسية والسوسيو اقتصادية للمهاجرين العائدين من أهم النقط التي نحتاج إلى تسليط الضوء عليها في ظل كل هذه الأشكال من العودة، سواء كانت قسرية أو طوعية…، إن الرعاية والاستقبال ضرورة إنسانية لجميع من عاد لوطنه بآمال جديدة في العيش فيه.
وكيفما أن قرار الهجرة قد يكون نتيجة عوامل خارجة عن إرادة الفرد، فإن قرار العودة قد يكون كذلك لظروف قاهرة ومماثلة، وبين رحلتي الذهاب والعودة، تتشكل قصص ووضعيات متباينة؛ فمنهم من ينجح في العبور، ومنهم من يوفق في العودة، ومنهم من يواجه الإخفاق في كلتيهما. أقدم في فقرات هذا المقال مقتطفات من سير حياة أشخاص اختاروا العودة للمغرب، إلى بلد المنشأ أو البلد الأصل.
قصة نجاح وفشل تجربة العودة
« رغم أنني أمضيت سنوات أكثر في الولايات المتحدة مما أمضيته في بلدي الأصلي، لم أشعر يوماً بالاستقرار، لأسباب ما زلت أجهلها. وهكذا عدت إلى الوطن، إلى طنجة، آملاً أن أستعيد وطني المفقود »[4]
بهذه الكلمات يختتم عبد المجيد هنوم، الباحث الأنثروبولوجي المنحدر من مدينة مكناس، كتابه «العيش في طنجة» الصادر سنة 2019. لم تكن العبارة مجرد خاتمة لبحث أكاديمي حول الهجرة والمهاجرين في المدينة الشمالية، بل كانت أيضاً خلاصة رحلة شخصية طويلة بدأت قبل عقود وانتهت بسؤال بسيط ومعقد في آن واحد: هل يمكن للإنسان أن يعود حقاً إلى وطنه بعد سنوات من الغياب.
وصل هنوم إلى طنجة بصفته باحثاً في الأنثروبولوجيا الحضرية مهتماً بدراسة الهجرة ومسارات المهاجرين في واحدة من أكثر المدن المغربية ارتباطاً بحكايات الهجرة والانتظار والعبور. لكنه وهو يجري المقابلات ويجمع الشهادات، كان يخوض تجربة أخرى موازية؛ تجربة العودة إلى المغرب بعد سنوات طويلة من العيش في الخارج.
في خاتمة كتابه يعترف بأن البحث العلمي لم يكن الدافع الوحيد لقدومه إلى طنجة. فقد ظلت فكرة العودة النهائية إلى المغرب ترافقه منذ مغادرته البلاد قبل ثلاثة عقود. كان يريد أن يختبر قدرته على إعادة الاندماج في وطنه الأصلي، وأن يضع حداً لحياة وصفها بأنها كانت فارغة من الانتماء ومليئة بالاغتراب. ولم يكن اختيار طنجة أمراً عشوائياً، فرغم أنه ليس من أبنائها، رأى فيها مدينة قادرة على منحه شيئاً من المسافة التي يحتاجها، وفي الوقت نفسه شيئاً من الدفء الذي يفتقده. مدينة تسمح له بالاحتفاظ بإحساسه بالغربة دون أن تحرمه من طعم الوطن. كانت طنجة، بالنسبة إليه، مكانا يأمل من خلاله العبور التدريجي نحو الاستقرار، ومحاولة لاستعادة ذلك «الوطن المفقود» الذي ظل يسكن الذاكرة.
اختار عبد المجيد هنوم حزم حقائبه مجددا والعودة إلى الولايات المتحدة، منهيا بذلك تجربة عودته للمغرب. ولم يشأ أن يدخل في تفاصيل سبب مغادرته وكانت رسالته الأخيرة هي:
« لم أعد للعيش في المغرب؛ حاولت ذلك، لكنني عدت قبل سنوات إلى الولايات المتحدة، وليس لدي أي نية للعودة في المستقبل القريب على الأقل ».
رحال أربعة عقود من الاغتراب
في نفس السياق الاجتماعي والاقتصادي، وفي ذات المدينة التي احتضنت الفن الذي نبت من المعاناة والموت، واحتضنت في نفس الوقت الأنواع الأخرى البرجوازية. المدينة التي كانت نقطة بداية رحلة الموت للعديد من المهاجرين وسببا إما في نجاتهم أو في استقرارهم في تيارات المتوسط او الأطلسي. وكنوع من القدرية التي ستكرسها مقابلتي مع هنوم والتي ستنتهي باقتراحه لتجربة أنور ماجد، والذي يتقاسم معه نفس الظروف والتجربة، أي تجربة العودة من الولايات المتحدة، سيحدثني أنور ماجد عن تجربته بإسهاب كبير، فبعد أكثر من أربعين عاماً قضاها في الولايات المتحدة، حطّ أنور ماجد رحاله في طنجة حاملاً تذكرة ذهاب فقط. لم يكن الأمر زيارة عابرة إلى بلد الطفولة أو إقامة مؤقتة كما اعتاد خلال العقود الماضية، بل قراراً نهائياً بالعودة إلى المغرب.
وصل ماجد برفقة زوجته الأمريكية التي اختارت بدورها مغادرة حياة مستقرة في نيو إنجلاند لتبدأ معه فصلاً جديداً على الضفة الأخرى من الأطلسي. أما أبناؤهما الأربعة فظلوا في الولايات المتحدة، تاركين والديهم أمام تجربة معاكسة لما يعيشه آلاف المغاربة الذين يغادرون بلدهم باحثين عن الاستقرار في دول الشمال.
في أيامه الأولى بطنجة، بدى ماجد منشغلا بمراقبة تفاصيل التأقلم الصغيرة، كان يتابع كيف تتفاعل زوجته مع إيقاع الحياة المغربية، وكيف تكتشف مدينة تختلف كلياً عن الأماكن التي عاشت فيها طوال حياتها. وفي الوقت نفسه كان يراقب نفسه أيضاً، محاولاً الإجابة عن سؤال ظل يطارده منذ اتخاذ قرار العودة: هل يمكن للإنسان أن يعود فعلاً بعد أربعة عقود من الغياب؟
بدل الانشغال بقضايا كبرى، وجد نفسه منشغلاً بأمور يومية بسيطة؛ أسعار الخضر والأسماك، المواعيد الطبية، أداء الفواتير، ومواجهة البيروقراطية دون وساطة الأصدقاء الذين كانوا يسهلون عليه الأمور خلال زياراته السابقة. كانت تلك التفاصيل بالنسبة إليه اختباراً حقيقياً لمعنى العودة.
ومن شقته الجديدة المطلة على مقهى سمارة، كان يستعيد خيوطاً قديمة من حياته. فخلف المقهى يمتد حي المصلى حيث ولد وترعرع، هناك شعر أن رحلة طويلة من الترحال والسفر قد أعادته إلى نقطة البداية، وكأن المدينة كانت تنتظره كل هذا الوقت.
وللمرة الأولى منذ أكثر من أربعين عاماً، لم يكن يحمل موعداً للعودة إلى الولايات المتحدة. انتهى إيقاع الرحلات المتكررة بين ضفتي الأطلسي، وتوقف «عداد العودة» الذي ظل يرافقه طوال سنوات المهجر. كان ذلك، كما يصفه، أحد أكثر أشكال التحرر العاطفي عمقاً في حياته.
تعد تجربة أنور شبيهة بتجارب كثيرة بدأ يعرفها المغرب في الآونة الأخيرة، بتوافد الجيل الأول من المهاجرين إلى الوطن الأصلي بعد التقاعد، ولكن وكما لاحظنا مع عبد المجيد هنوم فليست كل التجارب تكون ناجحة، خاصة مع تواجد الشخص لمدة طويلة في « الغربة » كما يصفها. فالعودة هي تجربة إنسانية قد تعترضها الكثير من الجدران الثقافية والنفسية التي يكون قد اكتسبها المهاجر أثناء فترة إقامته في البلد المستقبل.
إن تجربة عودة الجيل الأول تختلف عن الجيل الثاني من المهاجرين، حيث أنه وكما سيلاحظ في قصة كل من سارة وآية، فإن التجارب تختلف كما تختلف أيضا الصعوبات التي يعاني كل واحد منهما منها خلال تجربته.
الجيل الثاني من أبناء المهاجرين: رحلة بحث عن هوية
سارة، شابة فرنسية من أصول مغربية من عائلة فتفتحة، تبلغ من العمر سبعة وعشرين عاما، هاجر والدها لفرنسا وفي عمره ثمانية وعشرون عاما من أجل الدراسة والعمل، بينما والدتها هاجرت مع عائلتها لفرنسا عندما كان في عمرها ستة عشر عاما، بعدها سيتزوجان وينجبانها وينجبان ثلاث أخوة ذكور آخرين.
درست سارة تخصصا يتعلق بمجال الطب وحصلت فيه على دبلوم، وستعمل لمدة سنتين في أحد المراكز الطبية في قسم أشعة الراديو في باريس، وبعدها ستدخل في علاقة فشلت مع شخص ذو أصول جزائرية، سترتدي خلالها الحجاب وتتشبث بالشعائر الإسلامية أكثر. هذا ما سيؤثر بعدها على عملية بحثها عن عمل، حيث كانت كلما وجدت عملا، كان يشترط عليها عدم ارتداء الحجاب.
ستؤثر مسألة عدم إيجادها لعمل يتقبل قناعاتها الدينية على نفسيتها، خاصة وأن الأمر أتى مباشرة بعد طلاقها، هذا ما سيجعلها تعاني من مشاكل نفسية ستستمر لما يقارب السنة.
تقول سارة بأن علاقتها بالمغرب في الصغر كانت عادية، كانت تأتي مع عائلتها في العطل، وبما أنهم يمتلكون منزلين واحد داخل المدينة وواحد خارج المدينة، وهذا الأخير هو الذي كانوا يجلسون فيه لأطول مدة، جعلها هذا، لا تحتك كثيرا بعائلتها والجيران، حيث كان منزلهم معزولا.
خلال العام الذي كانت تبحث فيه سارة عن عمل سيصحبها والدها إلى المغرب للقيام بجولة سياحية في معظم المدن المغربية، وخلالها ستبدأ فكرتها في العودة للمغرب. وستقرر بعدها العودة للاستقرار والعمل بينما تدرس ماجستير في التربية في أحد الجامعات الفرنسية عن بعد. ولكنها ستصطدم بواقع آخر بعدما ستستقر في الدار البيضاء بعد قبولها في عمل في أحد المدارس الخاصة، حيث وفي يومها الأول في العمل، ستتعرض لمواقف ستجعلها تصطدم مع سؤال الاندماج، حيث وبينما كانت تقدم نفسها لزميلاتها، ستسألها أحد زميلاتها عن اسمها وستجيب « ساغة »(نطق فرنسي) وستقابل بنوع من السخرية والتنمر من قبل زميلاتها حيث ستجيبها أحدهن معلقة « اسمك سارة وليس ساغة ».
تقول سارة بأنها عانت من مواقف كثيرة والتي قد تبدوا للكثيرين عادية، ولكنها لم تكن كذلك على الإطلاق، حيث أثرت على عملية اندماجها، كذلك علاقتها بمديرة عملها ومعاملتها السيئة لها، ومعاناتها مع أشياء ثقافية مثل عدم الالتزام بالمواعيد، كما أن محاولاتها في القيام بأنشطة اجتماعية كانت دائما تنتهي بأن تجد نفسها مع أشخاص غير مناسبين، هذه وأشياء كثيرة ستجعل من فكرة عودتها لفرنسا فكرة غير مستبعدة في السنوات القادمة.
من بلد العائلة إلى واطن ثان
تعد وضعية سارة شأنها شأن قصص العديد من العائدين من الجيل الثاني، الذين يجدون نفسهم في خضم متاهة ثقافية وهوياتية صعبة لا يمكن توقع نهايتها، فمع غياب المواكبة الاجتماعية والنفسية والتي غالبا ما تقوم بها أحيانا الأسرة في بعض الحالات بأشكال مختلفة ونسبية، تصبح العودة شبه مستحيلة للبعض في ظل غياب هذه المؤسسات الشبه منعدمة في بلد تتجه معظم سياسات الاتحاد الأوربي لجعله بلد استقرار واستقبال للمهاجرين. وتتكل فيه السياسات الاقتصادية على عائدات المهاجرين المقيمين بالخارج. ما يجعل عمليات العودة تقوم على مدى قدرة العائد على التأقلم وعلى مدى بدله من مجهودات تكون لها عائدات نفسية عميقة. سيظهر هذا بشكل أكثر في قصة آية، التي لم يكن المغرب بالنسبة لها مجرد بلد ينتمي إليه والدها، بل فضاء ظل حاضراً في ذاكرتها وحياتها منذ الطفولة. حيث تبلغ آية من العمر خمسة وثلاثين عاماً، وتنحدر من عائلة مختلطة تجمع بين ثقافتين؛ فوالدها من مدينة وجدة، قدم إلى بلجيكا في ثمانينيات القرن الماضي من أجل الدراسة، بينما تنحدر والدتها من مدينة لييج البلجيكية. هذا الانتماء المزدوج منحها، كما تقول، تعليما وهوية هجينين بين الثقافة المغربية والثقافة البلجيكية.
أنهت آية دراستها العليا في بلجيكا، حيث حصلت على شهادة البكالوريوس في علم الاجتماع والأنثروبولوجيا، ثم على شهادة الماجستير في التعاون الدولي، إضافة إلى شهادة دراسات عليا لمدة عام. ومنذ سنة 2015، تعمل مديرة مشاريع في منظمات غير ربحية ببلجيكا.
رغم نشأتها في بلجيكا، ظل ارتباطها بالمغرب قوياً. فقد كانت ترافق والدها وعائلتها في رحلات متكررة عبر مختلف مناطق المملكة، خصوصاً المدن المعروفة بالصناعة التقليدية والحرف اليدوية مثل الصويرة. كما ساهم نشاط والدها في مجال الحرف اليدوية، إلى جانب عمله الأساسي، في تعزيز هذا الارتباط، فضلاً عن علاقتها بالموسيقى المغربية التي شكلت جسراً آخر بينها وبين البلد.
غير أن علاقتها بالمغرب لم تكن دائماً على الوتيرة نفسها. ففي مرحلة المراهقة، ابتعدت عنه بسبب ما تصفه بالضغوط الاجتماعية التي كانت تجد صعوبة في التعامل معها آنذاك. لكن مع تقدمها في العمر، عادت إليه بإرادتها الخاصة، بعدما أصبحت أكثر قدرة على اختيار نمط الحياة الذي يتوافق مع رغباتها وقيمها. عندها تحول المغرب، في نظرها، من بلد العائلة إلى وطن ثان.
راودتها فكرة الانتقال إلى المغرب لسنوات طويلة. وخلال فترة جائحة كوفيد-19 تقدمت بطلبات للمشاركة في برامج للتبادل الطلابي، إلا أن الظروف لم تسمح بتحقيق هذا المشروع. لاحقاً، وجدت نفسها أمام منعطف جديد بعدما أدت تخفيضات الميزانية في بلجيكا إلى سحب الدعم عن عدد كبير من البرامج والأنشطة الثقافية والاجتماعية، وهو ما حال دون تجديد عقد عملها. عندها قررت استثمار هذه اللحظة لتحقيق حلم طال انتظاره.
قبل الانتقال، أمضت ستة أشهر في الإعداد لهذه الخطوة، كما قامت بعدة زيارات استكشافية للمنطقة التي اختارت الاستقرار بها. لكن الوصول إلى المغرب لم يكن خالياً من التحديات. فقد اصطدمت، منذ البداية، بصعوبات مرتبطة بالتعامل مع الإدارات العمومية والمؤسسات. وكانت تطمح إلى الالتحاق بعدد من برامج الماجستير في الجامعات العمومية المغربية باستعمال بطاقتها الوطنية، غير أن المشروع لم يكتمل بسبب عراقيل إدارية. وتوضح أنها واجهت صعوبة في فهم المتطلبات الصريحة والضمنية للإجراءات الإدارية، كما شعرت بغياب شبكة من المعارف يمكن أن تساعدها على فهم كيفية التعامل مع الإدارة الجامعية.
خلال عامها الأول بالمغرب، كرست وقتها للبحث والتدريب والعمل التطوعي، وسعت إلى إنشاء فضاء مناهض للاستعمار وتنشيط ورشات عمل ونقاشات فكرية. وساعدتها مدخراتها التي جمعتها خلال سنوات عملها في بلجيكا على الحفاظ على نمط الحياة الذي تعيشه اليوم. كما مكنتها هذه الأنشطة من بناء شبكة من العلاقات والصداقات مع باحثين وفنانين وعمال مغاربة.
وعن مستقبلها في المغرب، لا تخفي آية رغبتها في الاستقرار، لكنها تربط ذلك بإيجاد فرصة مهنية تتناسب مع خبرتها وتطلعاتها. فهي تبحث عن وظيفة تسمح لها بمواصلة تطورها المهني والاستفادة من المهارات التي راكمتها، وفي الوقت نفسه تنسجم مع التزاماتها وقيمها. كما تؤكد أنها لا ترغب في المساهمة فيما تصفه بـ«نظام غير عادل واستعماري جديد»، بل تفضل العمل ضمن مؤسسة أو شركة تتقاسم معها المبادئ نفسها. ولتحقيق هذا الهدف، تضع ضمن أولوياتها تحسين إتقانها للدارجة المغربية وتوسيع شبكة معارفها المهنية والاجتماعية.
كل القصص التي تحدثت عنها هي لشخصيات ليست بالضرورة شخصيات تعاني من الفقر، أو أنها من بلدان ومناطق تعرف نزاعات وحروب…، هناك حروب لا ترى، كيفما أن هناك مهاجرين غير مرئيين، وهناك حدود غير مرئية أيضا. فالحالات الإنسانية كثيرة، ولا يجب أن نستدعي تاريخ الفرد أو الجماعة، أو نستدعي حالته الاقتصادية لكي نحدد هل هو يستدعي التعاطف أم لا، وهل هو حالة إنسانية أم لا. فتجربة العودة وكما وردت في كل هذه القصص، تجربة إنسانية تكشف عن هشاشة الاجتماعي والنفسي والاقتصادي تظهر عجز السياسات الهجروية عن مواكبة المهاجرين العائدين.
بقلم: صلاح الدين بولعيش
[1] Michel Foucher, Le retour des frontières, Paris CNRS éditions, 2016 (traduction personnelle).
[2] الاسم الذي تطلقه منظمة FRONTEX.
[3]https://www.immigration.interieur.gouv.fr/publications/chiffres-de-limmigration-en-france/lutte-contre-limmigration-irreguliere-pour-lannee-2025?utm_source=chatgpt.com
[4] Abdelmadjid Hannoum, Living in Tangier: Migration, Race, and Illegality in a Moroccan City, University of Pennsylvania Press 2019, p.203 (traduction personnelle).
Ce texte a été réalisé dans le cadre de la session Storytelling pour les migrations, avec le soutien de l’Institut français du Maroc.
À lire aussi sur Enass.ma.








